sliderتقاريرمقالات ورأي

من يقتل الموريتانيين في مالي ولماذا؟

تمر جمهورية مالي المجاورة بأصعب مرحلة من مراحل نزاعاتها وحروبها الأهلية ؛ لاسيما أن للوضع أبعاد إقليمية ودولية أكثر تعقيدا زادت الوضع تفاقما .

كان الوضع الجيوسياسي قبل انقلابات باماكو الأخيرة بالغ السوء رغم وجود فرنسي عسكري مؤثر ؛ وازداد فلتانا وانفتاحا على كل الاحتمالات بعد تعاقد الانقلابيين مع الروس والوصول إلى نقطة القطيعة مع فرنسا ؛التي ترتب انسحابها نحو النيجر ؛ وتعمل على إسقاط الانقلابيين بحصار بني جلدتهم في الإيكواس لهم ؛وبتحريك رقعة الشطرنج المالية ؛ متعددة الولاء والكفلاء الأجانب .

أغلبية البامبارا المشكلة لهوية دولة مالي أغلبية مزارعة تخوض حربا عرقية ضد أقليات تخصصها تنمية الحيوانات ؛ وبين صاحب الزرع وصاحب الحيوانات عداوة قديمة تزداد رسوخا بخلطات فكرية ودينية متطرفة تؤجهها أكثر .

وليس ذلك وحده ؛ فالقضية الأزوادية رمادها ملتهب أبدا ؛ والصراعات القومية بين جميع النسيج المالي الذي يشكل البظان نسبة بارزة فيه.
فأغلب القبائل الموريتانية تجد لها امتدادها في مالي ؛ بكل موروث البظان الثقافي الذي يعتبر موريتانيا عاصمته الروحية.

ويأتي تقاطع طرق تهريب المخدرات والبشر والبضاعة والسلاح عبر مالي ليلقي بثقله على كاهل الأمن المحلي المالي والأمن الإقليمي.

ثم الطامة الكبرى في عناوين التطرف الديني برعاته الإقليميين والدوليين .

صورة مخيفة لوضع تترامى شرايين مدده بالسلاح والرجال لتربطه بليبيا واتشاد والسودان ؛ وتمتد جغرافيا خطوط عدم الاستقرار نحو نجيريا وبوركينافاسو عميقا باتجاهات حركة بوكو حرام وأخواتها.

في هذا الميدان المتفجر المزروع بالعصابات المسلحة من كل نوع ؛ يحاول المنمون الموريتانيون بدون وعي سياسي وأمني مواصلة نمط حياتهم عبر قرون مضت ؛رحلة الشتاء والصيف انتجاعا وتجارة في جنوب وغرب وشمال مالي ؛ دون إدراك لتبدل الأحوال وحجم المخاطر المحدقة بحياتهم ؛ وثروتهم الحيوانية وتجارتهم .

واضح أن جميع أطراف حروب مالي ينظرون لثروة الموريتانيين الحيوانية كخزان إسناد غذائي استراتيجي لهم ؛ فتنظم الغارات كل موسم انتجاع ضدهم ؛ ويحرق المنمون والرعاة بعد قتلهم ذبحا أو رميا بالرصاص!
وفي الوقت الراهن ترتفع وتيرة تلك الاعتداءات الوحشية ؛ وآخرها كان برعاية وتنفيذ مرتزقة الروس وطائراتهم المروحية صحبة سرايا من الجيش المالي!

وبغض النظر عن صحة ذلك من عدمها ؛ فالحقيقة الثابتة هي أن المنمين والرعاة الموريتانيين والتجار يقتلون جهارا في مالي وتنهب قطعانهم ؛ فلماذا يجري ذلك ولمصلحة من؟
هل تريد فرنسا والايكواس إفساد الصفقة المالية الموريتانية التي جعلت من انواكشوط رئة اقتصادية ؛ للضغط أكثر على باماكو لإسقاط حكامها الثوار ضد فرنسا.

أو أن الأمر تتوسع أهدافه لمعاقبة انواكشوط على تحفظها على الوجود الروسي في مالي وعلى الامتناع عن لعب دور وظيفي لفرنسا في مالي.

وهل للمتطرفين دورهم المرسوم في اللعبة القاتلة ضد بلدنا .

كل ذلك وارد
لكن السؤال الأهم هو كيف نحدد مصالحنا في الملف كله ونحدد وسائل تنفيذه وتحييد دماء منمينا ورعاتنا وتجارنا وحماية ثروتنا الحيوانية المهاجرة موسميا إلى مالي .

كل ذلك ممكن عبر خطة أمنية تؤمن عودة الجميع للوطن ؛ وتوفير أعلاف بخطة طوارئ تغطي الحاجة ؛ وحظر دخول المنمين والتجار لميدان مالي المشتعل ؛ وخطة عسكرية تعزز انتشار قواتنا على الحدود المالية النشطة ؛ وتأمين قوة تدخل جوي وبري من قريب عند اللزوم.

والعمل المشترك مع مالي على حماية طريق التبادل التجاري لتؤمن مالي خط صادرتها ووارداتها عبر ميناء انواكشوط ؛ من منفذ واحد كثيف الحماية.

ولابد لقوات جي 5 وقواتنا أن تحدد معا مدى حزام آمن ممتد من حدودنا لعمق 50 او 70 كيلومتر يعتبر منطقة عسكرية مغلقة يحظر على غير الجيش المالي الحركة فيه ؛ فلا يقبل أي اقتراب للمليشيات الروسية من حدودنا؛ على أن يخطر الجيش الموريتاني بكل تحرك للقوات المالية في المنطقة المحددة أمنيا ؛ وكل حركة للاليات المسلحة في ذلك المدى أو الدرا جات التي تقل مسلحين دون تنسبق مسبق يكون عرضة لاعتباره هدفا معاديا.

صحيح أن ذلك سيخلق وضعا معقدا لكنه أساسي للردع ولتحصين بلدنا من شرر حروب وصراعات مالي المزمنة والقاتلة.

المهم أن لا نحقق للاعبين بدماء شعبنا هدفهم في إغلاق شامل مع مالي أو توريطنا في حرب لا نريد الاكتواء بنارها التي تتمدد بكل اتجاه .
موريتانيا مستهدفة وعلينا أن نتحد خلف قيادتنا وجيشنا لنعبر كل الفخاخ من حولنا ؛فمن لم يقبض على اللحظة بقرار وطني حاسم وحكيم ؛ فسيكون ضحية لزمن طويل من الندم على عدم اقتناص اللحظة الحاسمة .
ومن لايذ حوضه بسلاحه ….

بقلم عبد الله ولد بونا
رئيس مركز مسبار الأطلسي للدراسات والبحوث الاستراتيجية

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى