sliderالأخبار

بيرام ولد اعبيد: مؤتمر “باستيف” يؤكد صعود نموذج إفريقي جديد قائم على السيادة والإصلاح

اعتبر النائب والناشط الحقوقي بيرام ولد الداه ولد اعبيد أن المؤتمر العام الأول لحزب حزب باستيف – الوطنيون، الذي اختتم أعماله في داكار، شكّل محطة سياسية بارزة تجسد مشروعاً إفريقياً جديداً يسعى إلى استعادة السيادة وترسيخ الحكم الرشيد ومكافحة الفساد. وأشاد بالدور الذي يقوده عثمان سونكو في إعادة تشكيل المشهد السياسي السنغالي من خلال الجمع بين الشرعية الانتخابية والطموح الإصلاحي.

وقال ولد اعبيد، في شهادة نشرها عقب المؤتمر، إن تجربة باستيف نجحت خلال سنوات قليلة في استقطاب الشباب والطبقات الشعبية والنخب الإصلاحية حول مشروع سياسي يهدف إلى تخليق الحياة العامة والتصدي لنهب الثروات الإفريقية، معتبراً أن التناوب الديمقراطي الذي شهدته السنغال يمثل نموذجاً ملهماً لبقية دول القارة.

وأضاف أن المشروع الذي يحمله الحزب يتجاوز الحدود السنغالية ليطرح رؤية إفريقية وحدوية تستند إلى الشرعية الديمقراطية واللاعنف والعمل السياسي المنظم، مؤكداً أن القارة تشهد ما وصفه بـ”التحرر الثاني لإفريقيا”، وداعياً إلى مواصلة النضال من أجل العدالة والكرامة الإنسانية واستكمال مسار رواد الاستقلال الأوائل.

نص الرسالة:

مؤتمر حزب باستيف ، الوطنيون ؛شهادتي:

بادئ ذي بدء، كان يليق بالمؤتمر الأول لأقوى تيار غرب-إفريقي لإحياء ذاكرة الأبطال و استرجاع السيادة أن يحمل اسم الشهيد عمار بلوندين جوب

بقلم: بيرام ولد الداه ولد اعبيد

اختُتم يوم الأحد 7 يونيو 2026، في داكار، المؤتمر العام الأول لحزب باستيف ، الوطنيون، وهو مشروع للنهضة وإعادة التأسيس يجسّد مفارقة تتمثل في تولّي سلطة الدولة وفي الوقت ذاته تجسيد المعارضة في الوضع القائم. ومع ذلك، فإن هذا التوازن الدقيق الذي فرضته الظروف، لم يُضعف بأي شكل من الأشكال القوة والجاذبية والحماس الذي يميز أنصار القطيعة الإصلاحية والتجديد، داخل السنغال وخارجها. ويحتل حزب عثمان سونكو، مهندس التجديد الإفريقي، موقعًا غير مسبوق، بل يكاد يكون استثنائيًا؛ إذ إنه يعيد تشكيل مفهوم الثنائية السياسية ويبتكر أساليب جديدة لممارستها في البلدان التي تسود فيها الديمقراطية التعددية.
ويعد التجمع الذي انعقد في ديامنياديو يوم 7 يونيو 2026 بمثابة استفتاء هادئ انبثق منه نموذج لمناهضة أنماط الحكم الأوليغارشي غير الرشيدة والتابعة، التي ظلت سائدة في القارة الإفريقية منذ عقود. وقد استطاع حزب باستيف، رغم حداثة نشأته، أن يعبّئ الشباب التائه، والطبقات الشعبية التي أنهكها الفقر، والنخب الحريصة على تخليق الحياة العامة ووضعها على طريق التنمية. وهكذا تبلور، خلال سنوات قليلة، بديلٌ موثوق للديمقراطية الزائفة والانتخابات المزوّرة، حول مشروع يقوم على مكافحة الفساد والتصدي لنهب ثروات إفريقيا من قبل الرأسمالية التوسعية، في وقت أُفرغت فيه مؤسسات الجمهورية من مضمونها الحقيقي لصالح إعادة إنتاج الامتيازات غير المستحقة والمحسوبية. بل إن الدستور والقوانين والاتفاقيات الدولية المصادق عليها رسميًا لم تنجُ بدورها من منطق التوظيف الزبوني والتحريف لخدمة المصالح الخاصة.
وفي المقابل، برز الزخم الثوري الذي جمع بين التظاهر في الشارع والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، بهدف إعادة الاعتبار إلى صدقية النصوص وروحها، وإلى الأدوار المنوطة بخدمة المصلحة العامة التي تشكّل الأساس الذي يقوم عليه العقد بين المواطنين والقائمين على شؤون الدولة. وكان لا بد من استعادة نزاهة الخطاب والممارسة من أجل تحقيق مصالحة أعمق بين الشعب والسياسة بمعناها النبيل. وكان من المطلوب ترسيخ الشرعية القانونية العقلانية القائمة على تأييد الأغلبية، من دون المساس بالشفافية أو تعطيل الحريات، إذ أن الإرادة الإصلاحية تفقد زخمها ثم تتآكل عند اختبار السلطة إذا غابت هذه المقومات الأساسية.
إن فكر حزب باستيف وممارسته السياسية يوجهان ضربة قوية لحالة الاستسلام المزمنة التي رسختها أنظمة عتيقة تقوم على استقطاب شبكات الأعيان وضمان ولائها، بدوافع يغلب عليها السعي إلى المكاسب الشخصية والانتهازية السياسية. وهذه رسالة تتجاوز السنغال لتشمل معظم إفريقيا، وهو ما يفسر مشاعر الفرح والأمل التي استُقبلت بها تجربة التناوب الديمقراطي السنغالية. وبفضل التغييرات الجارية، يعيد الأفارقة اكتشاف معنى الالتزام حين يستند إلى قناعة راسخة ويقوده رجال ونساء نذروا أنفسهم للسعي الجاد نحو العدالة والإنصاف. لقد ترسخ المثال، وأصبحت ثماره تتجه نحو الاستدامة، لأن الخوف بدأ يغيّر معسكره.
إن النزعة الإفريقية الوحدوية لدى الرئيس عثمان سونكو وحزبه، المستندة إلى الشرعية الأخلاقية التي منحتها لهم صناديق الاقتراع، تختلف عن النزعة القومية العسكرية وما تحمله من اندفاعات مدمرة، رغم أن المشروعين ينبعان في الأصل من التطلع نفسه إلى التحرر من غطرسة الهيمنة الاستعمارية الجديدة ومن الأنظمة النهبوية الفاسدة التي ترعاها وتغذيها تلك الهيمنة. ومع حزب باستيف، أخذت الأرستقراطيات البالية تفقد قدرتها على إخضاع الجماهير وإبهارها، بعدما انكشف زيف العنف وشراء الذمم. وها هي صفحة جديدة من النهوض الإفريقي تُكتب اليوم بحبر كثيف من اللاعنف والثبات على الجهد والمثابرة.
إن التحرر الثاني لإفريقيا يتشكل أمام أعيننا. فلنعمل جميعًا، كلٌّ في وطنه، على الوفاء بهذا الوعد. إن نضالاتنا المتضامنة مدعوة إلى استكمال ما بدأه رواد الاستقلال الأوائل. تلك هي مهمتنا المشتركة بعد الرابع والعشرين من مارس 2024. وهي مهمة لا يمكن أن تكون إلا إنسانية شاملة، سخية في مقاصدها، وحازمة في مواجهة كل من يعمل على تقويض الكرامة الإنسانية، كما نصّ على ذلك ميثاق الأمم المتحدة. وإنني أؤمن بذلك اليوم أكثر من أي وقت مضى.

داكار، السينغال
15 يونيو 2026

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى