
سبع سنوات في عمر الدول ليست مجرد محطة زمنية عابرة، وإنما هي فرصة للتأمل في حصيلة الإنجاز، وقياس المسافة بين ما كان وما أصبح، واستحضار الخيارات التي صنعت الفارق في مسار الوطن. ومع حلول الذكرى السابعة لتنصيب فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، تبدو الصورة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى؛ فقد اختارت موريتانيا، منذ يونيو حزيران 2019، طريق الدولة الهادئة الواثقة، التي تبني ولا تضج، وتنجز ولا تتباهى، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
لقد تسلم الرئيس مقاليد الحكم في ظرف دولي وإقليمي بالغ التعقيد، ولم تمض سوى أشهر حتى اجتاح العالم وباء كوفيد-19، ثم توالت الأزمات العالمية مع الحرب الروسية الأوكرانية، وما تبعها من اضطرابات اقتصادية وارتفاع غير مسبوق في أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد، ثم جاءت الحرب في الشرق الأوسط لتضيف مزيدًا من الضبابية إلى المشهد الدولي. وهي أزمات أربكت اقتصادات كبرى، وأدخلت دولًا متقدمة في موجات تضخم وانكماش وتراجع اقتصادي.
غير أن موريتانيا، بفضل حكمة قيادتها وحسن إدارتها، لم تجعل من تلك الأزمات مبررًا للتوقف، بل حولتها إلى دافع لتعزيز الصمود الوطني، فاستمرت المشاريع، وتواصلت الإصلاحات، وحافظت الدولة على توازنها المالي والاجتماعي، وهو ما يؤكد أن القيادة الرشيدة لا تُقاس بالرخاء وسهولة الظروف، وإنما بكيفية إدارة الأزمات.
وخلال هذه السنوات، شهدت البلاد نهضة عمرانية وبنيوية لافتة، تجلت في بناء وتوسعة شبكة الطرق، وإنجاز مشاريع استراتيجية في مختلف الولايات، بما عزز الربط بين المناطق، وفتح آفاقًا جديدة للتنمية والاستثمار، ورسخ مبدأ العدالة في توزيع المشاريع العمومية.
وفي ملف التشغيل، الذي ظل لعقود أحد أكبر التحديات أمام الشباب، انتقلت الدولة من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الفعل. فقد تم خلق آلاف فرص العمل في القطاع العام، وكان الاكتتاب الاستثنائي لثلاثة آلاف موظف دفعة واحدة شاهدًا على الإرادة السياسية لمعالجة البطالة وتعزيز كفاءة الإدارة العمومية.
ولأن الشباب هو الثروة الحقيقية للأمم، جاء استحداث وزارة خاصة بتمكين الشباب خطوة سياسية وتنموية ذات دلالة عميقة، تؤكد أن الدولة لم تعد تنظر إلى الشباب باعتباره فئة تحتاج إلى الدعم فحسب، بل شريكًا أساسيًا في صناعة المستقبل. وقد رافق ذلك إطلاق برامج للتمويل والتكوين والمواكبة، وتشجيع المبادرات الذاتية وريادة الأعمال، بما يعزز ثقافة الإنتاج ويخلق فرصًا جديدة للعمل.
وفي القطاع الزراعي، برز توجه استراتيجي جديد من خلال إنشاء قطاع خاص بالسيادة الغذائية، في إدراك مبكر لأهمية تحقيق الاكتفاء الذاتي في عالم تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بالأمن الغذائي. وقد واكب هذا التوجه دعم الاستثمار الزراعي، وتشجيع المنتجين، وتوسيع المشاريع الزراعية، بما جعل السيادة الغذائية خيارًا وطنيًا لا مجرد شعار.
أما إصلاح التعليم، فقد تحول إلى ورش وطنية كبيرة، انطلقت من الإيمان بأن بناء الإنسان هو أساس بناء الدولة. وشهد القطاع إصلاحات هيكلية، وتطويرا للمناهج، وتعزيزا للبنية التحتية التعليمية، واكتتاب آلاف المدرسين، بما يعكس أن الاستثمار في التعليم هو الاستثمار الأكثر استدامة في مستقبل البلاد.
وفي المجال الاجتماعي، رسخت الدولة مفهوم الحماية الاجتماعية باعتبارها حقًا للمواطن، لا منحة ظرفية. فكان إنشاء المندوبية العامة للتضامن الوطني ومكافحة الإقصاء “تآزر” نقطة تحول في السياسات الاجتماعية، من خلال تدخلاتها الواسعة لصالح الفئات الأكثر هشاشة. كما شكل السجل الاجتماعي نقلة نوعية في استكشاف الأسر المحتاجة، ليصبح قاعدة بيانات وطنية دقيقة تساعد على توجيه الدعم إلى مستحقيه بكفاءة وعدالة.
وسياسيا، نجح فخامته في ترسيخ مناخ من التهدئة والانفتاح، واستطاع أن يكسب ثقة مختلف مكونات الطيف السياسي، وأن يجعل الحوار وسيلة لإدارة الاختلاف، بدل تحويله إلى مصدر للتوتر. كما شهدت البلاد توسعًا في فضاء الحريات العامة، وترخيص أحزاب سياسية جديدة، في تأكيد عملي على احترام التعددية السياسية وتعزيز المسار الديمقراطي.
وعلى الصعيد الأمني، واصلت القوات المسلحة وقوات الأمن مسيرة التحديث والتطوير، في ظل رؤية واضحة تجعل الأمن أساس التنمية، وتحافظ على استقرار البلاد في محيط إقليمي يعد من أكثر المناطق اضطرابًا في العالم. وقد أثبتت التجربة أن الاستثمار في المؤسسة العسكرية والأمنية كان خيارًا استراتيجيًا صائبا، جعل موريتانيا بفضل مقاربتها الأمنية، واحة أمن واستقرار وسط إقليم يعج بالتحديات.
وفي ملف الهجرة، انتهجت الدولة سياسة متوازنة تجمع بين الانفتاح على الأشقاء من دول الجوار، والالتزام بالواجبات الإنسانية، وبين الحزم في تنظيم الولوج إلى التراب الوطني، وصيانة أمن الحدود، بما يحفظ سيادة الدولة ويحترم القانون.
أما دبلوماسيا، فقد عززت موريتانيا حضورها في المحافل الإقليمية والدولية، واتبعت سياسة خارجية متوازنة، تقوم على احترام السيادة الوطنية، والدفاع عن المصالح العليا للبلاد، والانفتاح على مختلف الشركاء، دون الارتهان لمحاور أو اصطفافات، وهو ما منح الدبلوماسية الموريتانية مكانة متقدمة وحضورًا فاعلًا في مختلف القارات.
إن ما تحقق خلال سبع سنوات لم يكن نتاج الصدفة، ولا ثمرة ظرف اقتصادي مريح، بل هو حصيلة رؤية واضحة، وإدارة حكيمة وهادئة، وإرادة سياسية جعلت من الاستقرار مدخلًا للإصلاح، ومن الإصلاح وسيلة للتنمية، ومن التنمية طريقا لتعزيز كرامة المواطن.
صحيح أن بعض التحديات لا تزال قائمة، فبناء الدول عملية مستمرة لا تعرف الاكتمال، لكن المؤكد أن موريتانيا اليوم ليست هي موريتانيا الأمس. فقد أصبحت تمتلك مؤسسات أكثر رسوخا، وبنية تحتية أكثر تطورا، وسياسات اجتماعية أكثر استهدافا، وشبابا يحظى بعناية غير مسبوقة، وحضورا دوليًا أكثر تأثيرا، واستقرارا سياسيًا وأمنيًا يمثل مكسبا وطنيا ثمينًا.
وفي الذكرى السابعة لتنصيب فخامة رئيس الجمهورية، لا يكون الاحتفاء الحقيقي باستحضار السنوات التي مضت فحسب، بل باستلهام ما حملته من دروس، وفي مقدمتها أن الأوطان تتقدم حين تكون لها قيادة تؤمن بالعمل أكثر من الشعارات، وبالإنجاز أكثر من الضجيج، وبالمستقبل أكثر من الحسابات الضيقة. وذلك هو الرصيد الذي يجعل موريتانيا تمضي بثقة نحو مراحل جديدة من البناء والتنمية، مستندة إلى ما تحقق، وطامحة إلى ما هو أكبر مع قائد مسيرة النماء والاستقرار، محمد ولد الشيخ الغزواني.
نواكشوط بتاريخ: 02/08/2026
محمد الأمين سداتي
إطار بوزارة التربية وإصلاح النظام التعليمي






