
أصبح الهاتف جزءًا أساسيًّا من حياتنا اليومية، وأصبحت وسائل التواصل الاجتماعي حاضرة في معظم أوقاتنا. ومع هذا التغير، تغيرت عادات كثيرة لدى الشباب، ومن بينها عادات القراءة؛ فبعد أن كان الكتاب يحتل مساحة واضحة من وقت القارئ، أصبح ينافسه اليوم عالم واسع من المواقع والتطبيقات والمحتوى السريع.
في رأيي، أثر الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي فعلاً في القراءة، وجعلا بعض الشباب يقرؤون أقل مما كانوا يقرؤون من قبل؛ فبدل أن يقضي الشاب وقتًا في قراءة كتاب أو البحث عن موضوع جديد، قد يجد نفسه ينتقل من منشور إلى آخر، ومن مقطع إلى آخر دون أن يشعر بمرور الوقت. ومع كثرة هذا المحتوى، يصبح من الصعب أحيانًا تخصيص وقت هادئ لقراءة كتاب يحتاج إلى التركيز والصبر.
لكنني لا أعتقد أن الهاتف هو المشكلة وحده، فالهاتف نفسه يمكن أن يكون وسيلة للقراءة والتعلم إذا أحسن الإنسان استخدامه؛ فقد أصبح من الممكن الوصول من خلاله إلى الكتب الإلكترونية، والمقالات، والدراسات، والمصادر المختلفة دون الحاجة إلى البحث الطويل عن الكتاب أو الذهاب إلى المكتبة للحصول عليه.
أنا شخصيًّا أستخدم الهاتف للقراءة أحيانًا، خصوصًا عندما لا أجد الكتاب الذي أبحث عنه بصورته الورقية؛ عندها أبحث عنه إلكترونيًّا وأقرأه من هاتفي. لذلك، لا أستطيع أن أقول إن الهاتف أبعدني عن القراءة، لأن جزءًا من هاتفي أصبح مرتبطًا بها أصلاً؛ فالكتب والمواد التي أقرأها والأشياء التي أبحث عنها كلها تقريبًا مرتبطة باهتمامي بالقراءة.
وهنا أرى أن الأمر يعتمد بدرجة كبيرة على طريقة استخدام الشخص لهاتفه، وعلى اهتماماته وطموحه؛ فالهاتف يمكن أن يكون وسيلة تشتيت إذا قضى الإنسان ساعات طويلة في متابعة ما لا يفيده، ويمكن في الوقت نفسه أن يكون وسيلة للتعلم إذا استخدمه في البحث والقراءة واكتشاف أشياء جديدة.
أما وسائل التواصل الاجتماعي، فأرى أنها أكثر ما يشتت القارئ؛ لأنها تعتمد على محتوى سريع ومتجدد باستمرار. قد يدخل الشخص إلى أحد التطبيقات لدقائق، ثم يجد نفسه قد قضى وقتًا طويلاً في متابعة أشياء متفرقة، بينما كان من الممكن أن يستثمر ذلك الوقت في قراءة صفحات من كتاب.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن وسائل التواصل قد تكون لها فائدة في مجال القراءة أيضًا؛ فمن خلالها يمكن للقارئ أن يتعرف إلى كتب جديدة، ويكتشف كُتّابًا، ويتابع صفحات ثقافية، ويتبادل ترشيحات الكتب مع أشخاص يشاركونه الاهتمام نفسه. وبالتالي، فإن المشكلة ليست في وجود وسائل التواصل، وإنما في الطريقة التي نستخدمها بها.
ومن تجربتي، أرى أن الإنسان يستطيع أن يجعل هاتفه يخدم اهتماماته بدل أن يترك اهتماماته تضيع بسببه؛ فإذا كان الإنسان يحب القراءة، يمكن أن يجعل هاتفه وسيلة تساعده عليها من خلال الاحتفاظ بالكتب الإلكترونية، ومتابعة المحتوى الثقافي، والبحث عن الكتب التي يريد قراءتها.
وأعتقد أن الفرق الحقيقي لا يصنعه الهاتف، وإنما يصنعه المستخدم نفسه؛ فشخص طموح ويعرف كيف ينظم وقته يستطيع أن يستفيد من التكنولوجيا دون أن يسمح لها بأن تأخذ كل وقته، بينما قد يتحول الهاتف عند شخص آخر إلى وسيلة تشتيت تبعده عن أهدافه.
لذلك، لا أرى أن الحل هو الابتعاد عن الهاتف أو وسائل التواصل الاجتماعي بشكل كامل، فهذا غير واقعي في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا من حياتنا؛ الحل هو أن نتعلم كيف نستخدمها بوعي، وأن نعرف متى نحتاج إليها للترفيه ومتى نحتاج إليها للتعلم والقراءة.
فالقراءة لم تختفِ بسبب الهاتف، لكنها أصبحت أمام منافسة أكبر على وقت الإنسان وانتباهه، والكتاب ما زال موجودًا سواء كان ورقيًّا أو إلكترونيًّا، لكن القارئ هو من يقرر إن كان سيمنحه من وقته أم سيتركه وسط هذا الكم الكبير من المحتوى.
وفي النهاية، أعتقد أن الهاتف يمكن أن يكون عدوًّا للقراءة إذا سمحنا له بأن يسرق وقتنا وتركيزنا، ويمكن أن يكون صديقًا لها إذا عرفنا كيف نستخدمه. ولذلك، فالمسألة ليست في الهاتف نفسه، وإنما في علاقتنا به وفي قدرتنا على اختيار ما يفيدنا من بين كل ما يقدمه لنا.
أما أنا فسأستمر في استخدامه بالطريقة التي تخدم شغفي بالقراءة، وسأحاول دائمًا أن أجعل التكنولوجيا وسيلة تساعدني على اكتشاف المزيد، لا سببًا يجعلني أتوقف عن اكتشاف العالم من خلال الكتب.






