
حين تُقاس العلاقات بين الدول بلغة الأرقام والمواقف، لا بلغة المجاملات الدبلوماسية، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها واحدًا من أهم الشركاء الذين وقفوا إلى جانب موريتانيا في محطات اقتصادية وتنموية دقيقة، وأسهموا على مدى عقود في تمويل مشاريع حيوية ودعم الاستقرار المالي للبلاد.
العلاقة بين نواكشوط والرياض ليست وليدة ظرف سياسي عابر، ولم تُبنَ على تقاطع مصالح مؤقت، وإنما تشكلت عبر عقود من التعاون، واتخذت مع مرور الزمن طابعًا استراتيجيًا، تجسد في المواقف السياسية كما تجسد، بصورة أكثر وضوحًا، في الاقتصاد والتنمية.
ولعل أحد أكثر الأمثلة دلالة على ذلك ما حدث في أعقاب صدمة تراجع أسعار المواد الأولية خلال عامي 2014 و2015، حين قدمت السعودية قرضًا بقيمة 300 مليون دولار للبنك المركزي الموريتاني، في خطوة ساعدت البلاد على مواجهة الضغوط الاقتصادية الخارجية. وهذه ليست رواية سياسية أو انطباعًا عن طبيعة العلاقات، بل واقعة وثقها صندوق النقد الدولي في تقاريره الخاصة بالاقتصاد الموريتاني.
والأهم أن المملكة عادت لاحقًا، في عام 2022، لتوافق على إعادة هيكلة هذا القرض وتحويل شروطه إلى شروط ميسرة، حيث مُدد أجل السداد إلى عشرين عامًا وخُفضت الفائدة إلى 1%، وهو ما أدى، وفق صندوق النقد الدولي، إلى خفض القيمة الحالية للدين وأعباء خدمته على موريتانيا.
هذه الوقائع تكشف جانبًا من طبيعة الدور السعودي: التدخل عندما تكون الحاجة قائمة، وتخفيف الأعباء عندما تصبح خدمة الدين عبئًا على الاقتصاد الوطني.
حضور تنموي يمتد منذ عقود
ولا يقتصر الدور السعودي على التدخلات المالية المرتبطة بالاستقرار الاقتصادي. فمنذ عام 1979، أصبح الصندوق السعودي للتنمية أحد أبرز الشركاء في تمويل البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية والخدمية في موريتانيا.
وبحسب أحدث بيانات الصندوق، بلغ عدد المشاريع والبرامج التنموية التي دعمها في موريتانيا 31 مشروعًا وبرنامجًا، بقيمة إجمالية تقارب مليار دولار، شملت المياه والطاقة والطرق والزراعة والتعليم والبنية التحتية.
وفي الزراعة وحدها، ساهم الصندوق بنحو 34 مليون دولار في مشروع أركيز الزراعي، الذي شمل استصلاح نحو 6700 هكتار، وتطوير منشآت الري والصرف والطرق والمعدات الزراعية ومياه الشرب، في مشروع يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي وبفرص العمل والإنتاج المحلي.
وفي ديسمبر 2025، شارك الصندوق السعودي في تمويل مشروع تزويد مدينة كيفه ومدن أخرى بالمياه انطلاقًا من نهر السنغال بقرض تنموي ميسر قيمته 100 مليون دولار، كما وقع اتفاقية بقيمة 60 مليون دولار لدعم مشروع الربط الكهربائي بين موريتانيا ومالي وتطوير الطاقة الشمسية.
وما زال هذا الحضور مستمرًا؛ ففي أغسطس 2026 أعلن الصندوق برنامجًا في موريتانيا لحفر نحو أربعين بئرًا في المناطق الريفية، تعمل بأنظمة ضخ بالطاقة الشمسية، مع خزانات وشبكات لتوزيع المياه.
شريك مالي من الوزن الثقيل
الأرقام المتعلقة بالدين الخارجي الموريتاني تقدم بدورها مؤشرًا آخر على حجم العلاقة الاقتصادية بين البلدين.
فبحسب أحدث تحليل لاستدامة الدين صادر عن صندوق النقد الدولي، كانت السعودية في نهاية عام 2025 ثاني أكبر دائن ضمن أبرز الدائنين الخارجيين الرسميين لموريتانيا بعد الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، واستحوذت على ما يعادل 15.9% من الدين الخارجي العام والمضمون من الدولة.
وهذه النسبة وحدها كافية لإظهار أن الحديث عن الدور السعودي في الاقتصاد الموريتاني لا ينبغي اختزاله في مساعدات ظرفية أو منح بروتوكولية؛ نحن أمام علاقة مالية وتنموية ممتدة ومؤثرة.
لقد مرت موريتانيا خلال العقود الماضية بفترات صعبة، من اختلال الميزان الخارجي إلى ضغوط المديونية والحاجة إلى التمويل والسيولة والاحتياطيات، وكان الدعم العربي والخليجي عمومًا عنصرًا مهمًا في تجاوز عدد من تلك المراحل، وكانت السعودية في مقدمة الشركاء الذين وفروا لموريتانيا دعمًا ماليًا وتنمويًا طويل الأجل.
الدعم دون وضع اليد على الثروات
لكن هناك جانبًا آخر يستحق التوقف عنده.
فالسعودية، رغم الحجم الكبير لما قدمته لموريتانيا، لم تبنِ علاقتها بالبلاد على نموذج يقوم أساسًا على وضع اليد على الموارد الطبيعية الموريتانية أو جعل الدعم المالي مدخلًا للسيطرة عليها.
وهذه نقطة مهمة في زمن أصبحت فيه العلاقات الدولية محكومة إلى حد بعيد بالمصالح الاقتصادية المباشرة، وأصبحت الثروات المعدنية والغازية والسمكية والأراضي الزراعية جزءًا أساسيًا من حسابات القوى والشركاء الدوليين.
ليس في ذلك ما يدعو إلى إنكار حق أي دولة في البحث عن مصالحها؛ فالعلاقات الدولية تقوم بطبيعتها على المصالح المتبادلة. لكن الفارق يكمن في طبيعة هذه المصالح وفي مدى التوازن بينها وبين سيادة الدولة المستفيدة وحقها في مواردها.
والتجربة السعودية في موريتانيا، في جانبها التنموي على الأقل، تقدم نموذجًا مختلفًا نسبيًا: قروض ميسرة، ومنح، وتمويل طرق ومياه وكهرباء وزراعة وتعليم وبنية تحتية، ومساندة مالية في أوقات الضغوط الاقتصادية.
لماذا تتمسك موريتانيا بعلاقتها مع الرياض؟
من هنا يمكن فهم المكانة الخاصة التي تحتلها السعودية في السياسة الخارجية الموريتانية.
فالدول، مثل الأفراد، تحتفظ في ذاكرتها بمن وقف معها في الأوقات الصعبة. وموريتانيا لا تنظر إلى المملكة باعتبارها دولة عربية وإسلامية محورية فحسب، وإنما باعتبارها شريكًا تاريخيًا ارتبط اسمه بعشرات المشاريع وبمواقف مالية واقتصادية تركت أثرًا ملموسًا في البلاد.
ولهذا ظلت العلاقة مع الرياض، رغم التحولات الإقليمية والدولية المتلاحقة، واحدة من أكثر علاقات موريتانيا العربية استقرارًا.
ويمكن في هذا السياق فهم الحساسية الموريتانية تجاه كل ما يمس المملكة أو قيادتها. فالأمر لا يتعلق فقط بالتضامن التقليدي بين بلدين عربيين، وإنما بعلاقة تراكمت فيها المواقف والمصالح والثقة على مدى عقود، حتى أصبحت السعودية بالنسبة لموريتانيا شريكًا استراتيجيًا يصعب التعامل مع الإساءة إليه باعتبارها شأنًا بعيدًا عن العلاقة الثنائية.
وقد يكون التعبير السياسي الشائع أن المملكة بالنسبة لموريتانيا «خط أحمر»، لكن المعنى الأعمق لهذا التعبير هو أن للعلاقات بين الدول ذاكرة، وأن الوفاء للمواقف يظل جزءًا من السياسة حتى في عالم تحكمه المصالح.
علاقة ينبغي أن تنتقل إلى مرحلة جديدة
غير أن قوة الماضي لا تكفي وحدها لبناء المستقبل.
فإذا كانت السعودية قد ساهمت لعقود في تمويل الطرق والمياه والطاقة والزراعة ودعم الاستقرار المالي، فإن التحدي اليوم هو الانتقال بالعلاقة من نموذج الدعم والتمويل إلى نموذج الشراكة الاقتصادية والاستثمار المنتج.
موريتانيا تدخل مرحلة مختلفة مع الغاز والمعادن والطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والثروة السمكية والإمكانات الزراعية، بينما تقود السعودية تحولًا اقتصاديًا واسعًا وتملك صناديق وشركات وخبرات ورؤوس أموال قادرة على الدخول في استثمارات استراتيجية ضخمة.
وهنا توجد فرصة حقيقية أمام البلدين.
فالعلاقة الأكثر استدامة ليست تلك التي يبقى فيها طرف مانحًا والآخر مستفيدًا، مهما كان سخاء المانح، وإنما العلاقة التي تتحول فيها الثقة السياسية المتراكمة إلى مصالح اقتصادية متبادلة، ومشاريع إنتاجية، واستثمارات توفر فرص العمل وتزيد الصادرات وتنقل المعرفة وتخلق قيمة مضافة داخل موريتانيا.
بعد قرابة نصف قرن من الحضور التنموي السعودي، لا تحتاج العلاقة الموريتانية السعودية إلى إثبات متانتها بقدر ما تحتاج إلى استثمار تلك المتانة.
لقد أثبتت المملكة، بالأرقام والمواقف، أنها كانت حاضرة عندما احتاجت موريتانيا إلى الدعم. والمطلوب اليوم أن تتحول هذه الثقة التاريخية إلى شراكة اقتصادية أعمق، تجعل من موريتانيا وجهة للاستثمار السعودي، وتجعل من السعودية شريكًا في إنتاج الثروة الموريتانية وتنميتها، لا مجرد ممول للمشاريع.
فتلك هي المرحلة الطبيعية التالية لعلاقة بدأت بالأخوة، ورسختها المواقف، وحمتها الثقة، وينبغي أن يكون مستقبلها شراكة استراتيجية متكاملة بين بلدين تجمعهما ذاكرة طويلة من الوفاء والمصالح المشتركة.
محمد نعمه عمر






