sliderالمبتدأ

النخبة وتيار الجنون الجماعي (الحلقة الثانية)

نوبة المعدن الأصفر

كان لسكان المناطق الشمالية من البلاد، تحديدا في تيرس الزمور وإنشيري، تقاليد في التعامل مع الذهب الذي ربما ظهر لهم مباشرة، ودون بذل أدنى مجهود لاقتنائه. فكانوا يتجاهلون سخاء الطبيعة التي تجود عليهم ذهبا، دون أدنى عناء. إنهم يخافونه، يخافون لعنته التي يعتقدون أنها حتمية، وأنها ستحل عليهم في أنفسهم وأولادهم، وأموالهم.

أما في عهد نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز، وبعد صدمة “بريتون وودز” السابقة عليه، والتي أهلت المجتمع الموريتاني للجنون الجماعي، فقد أصبحت ساكنة البلاد تتعامل بشكل مختلف مع هذه الهدية المجانية غير المكلفة، فأصبحوا يتهافتون عليها متجاهلين كل المخاطر التي قد تعترض الحصول عليها، وهي صعوبات جمة تبدأ من التقلبات المناخية الحادة حسب الفصول، فمن موجة برد قارس شتاء، إلى سموم صيف الفح.

من هذه المخاطر أيضا المتاهات الصحراوية التي لا أمل للتائه فيها في النجاة، فكثيرا ما يعثر على هؤلاء – إذا قدر وعثر عليهم – بعد البحث المضني وبكل الوسائل، وهم جثث هامدة أو عظام نخرة. ومنها كذلك الحيات والأفاعي القاتلة، إلا أن أخطر ما يمكن أن يتعرض له المنقبون حوادث انهيار الآبار والحفر التي يحفرونها عميقا بحثا عن ضالتهم المنشودة التي هي الذهب.

ومن المخاطر فائقة الخطورة، السموم التي تنتشر في المنطقة لعلاج المواد الخام وتصفية الذهب، سواء كان مصدر هذه السموم شركات التعدين التي تنشط في المنطقة، أو نشاط المنقب نفسه، هذا بالإضافة إلى الغبار المرتبط بنفس النشاط.

لعنة الذهب التي يخشاها سكان المنطقة القدامى لا يمكن أن تسقط من الحساب، لكن المنقب في هذه النوبة الجنونية يلجأ إليها مستسلما وهربا من لعنة أخرى هي لعنة الفقر والعوز. هكذا يمضي المنقب في هذه المغامرة الخطيرة مجازفا بحياته، حياة أصبحت دون معنى في ظل البؤس والفقر من جهة، ومن جهة أخرى فالمسكين قد تحرر من كل ما ألفه في الحياة الطبيعية، التي يقول المثل فيها: «أن ما عدا العمر الذي هو الحياة مخلوف» و«أن المصيبة ما دامت في غير الأنفاس فلا بأس». التحرر من المنطق السائد هي العتبة الأولى التي يجب تخطيها نحو الجنون الجماعي.

المغامرة الجنونية ليست مجازفة فقط بالروح أو النفس بل بشقيقها أيضا الذي هو المال حسب أدبياتنا الثقافية والاجتماعية. لا بد لهذه المغامرة من تمويل، وهذا التمويل لا يمكن لمصدره الخروج عن إحدى احتمالات ثلاث:

الاحتمال الأول: أن يتم تمويلها من خلال الرصيد الذي وفره المنقب المغامر – كي لا نقول المجنون – لأيام سلفت. فلجأ إليه مضحيا به، آملا أن يستعيده أضعافا مضاعفة إذا وفق في العثور على الذهب: حلم جميل لا يتساوى احتمالا تحققه وعدمه.

المصدر الثاني لتمويل الحلم الجنوني: هو الاقتراض من الأفراد أو المؤسسات لتمويل هذا المشروع غير مضمون النتيجة. عليكم أن تتصوروا أن المسكين في حال فشل مشروعه، سينتهي به الأمر إلى فاشل ومدين، والدين في مجتمعنا قبل أن يصاب بالجنون هو أحد أشكال الرق، «الدين رق فاختر من يرقك».

المصدر الثالث: هو اللجوء لبيت العائلة وبيعه في مزاد علني أو غير علني وتمويل المشروع من خلاله. الأمر هذه المرة يتعلق بتشريد عائلة، بأطفالها ونسائها من أجل مشروع وهمي، قد يتحقق وقد لا يتحقق. وفي حال الاحتمال الأخير، تصوروا مآل هذا “الأبله”، أبله “فيودور دوستويفسكي”. فمن خائر متعب، ومدين رقيق إلى متشرد ذليل. الاحتمال القوي أن تجتمع الصفات الثلاث على مغامر مجنون، انطلق في رحلة تعدين فردي، بحثا عن الذهب، ركضا وراء أحلام غالبا ما انتهت إلى مطاردة سراب، نتيجتها حصد الخيبة والمرارة.

التعدين أبدا لا يكون فرديا في ظروف عادية. دعك من الظروف الاستثنائية وحالة الجنون الجماعي. بالرغم من ذلك فإن تجربة مواطنينا حول الموضوع عكس المألوف والمنطق، فقد دأب بعض مواطنينا إلى ممارسة التعدين الفردي وذلك من خلال البحث عن “الماس” في زايير، والكونجو، وليبيريا، ووسط أفريقيا، وأنجولا.

استفاد هؤلاء الرواد، قبل تراجع الاهتمام بهذا النشاط وصرف النظر عن هذا النوع من المغامرات ثم ظهور الاهتمام به مجددا من طرف الجيل الجديد. وإذا كان الطموح الفردي المؤطر بالعقلية البدوية والجهل بكل شيء عن الحياة المعاصرة وراء مغامرة الجيل الأول، فإن الجنون الجماعي لا شيء غيره هو ما يقف خلف مغامرة الجيل الثاني.

إذا كان لا بد من دخول مجال التعدين فعلى المهتمين إنشاء شركات واقتناء معدات واكتتاب عمال. بالنسبة للمستثمرين الأقل حظا من المال فعليهم شراء أسهم أو التكتل للتمكن من ذلك.

ظهر بالتوازي مع هذه الظاهرة، ظاهرة أخرى غريبة، تدل على أن مجتمعنا مصاب بالجنون الجماعي. نشاط (تجاري) قائم على البيع بالخسارة، أفراد وأسر تبيع منازلها ومقتنياتها، وممتلكاتها كي تباع أمام أعينها بالخسارة، وتتوقع الربح بعد ذلك وسداد أثمان مبيعاتها. أي منطق هذا، وأي نوع من البشر هذا الذي يتصرف هكذا؟!

النشاط التجاري قائم على مبدأ واحد، فكرة واحدة، هدف واحد، يسعى إليه هو الربح، ومتى خرج عن هذه القاعدة فإنه لم يعد نشاطا تجاريا، والإنسان السوي لا يمكن إلا أن ينظر إليه بعين الريبة.

كل هذا سواء على مستوى التعدين الأهلي الفردي أو مستوى البيع الخاسر، يتم على مرأى ومسمع من السلطات أيام حكم الرئيس محمد ولد عبد العزيز. هذا أمر يصعب تفسيره أيضا.

وإذا كان لا بد من تفسير لذلك، فهو حصرا، متعلق بنظرة النظام آنذاك على إقبال الأهالي على التعدين، على أنها ضربة معلم لحل الاحتقان الناتج عن تجاهل المقاربة الاجتماعية، التي دأبت أنظمتنا على تجاهلها، فبدل أن يبقى هؤلاء في المدن التي باتت على حافة الانفجار، عليهم أن يذهبوا إلى الصحراء لمطاردة جحافل السراب وأمواج الوهم.

هذا على صعيد التعدين، أما على صعيد البيع الخاسر فلا يمكن أن يفسر إلا بوجود متنفذين متواطئين مع أبطال هذا النوع من البيع والمسؤولين عنه.

الغرابة في بلدنا أصبحت مألوفة بدرجة كبيرة، إحدى هذه الغرابات أنه وبالرغم من وجود حديث عن الفساد في هذه المرحلة لم ترفع دعوى ضد هؤلاء المتواطئين وحتى من طرف الضحايا أنفسهم عجبا! ألا يستحق بلدنا وبكل جدارة أن يطلق عليه بلد العجائب؟!

مثل الذي ينقب على الذهب بوسائله المالية سواء كانت رصيدا أو مالا مقروضا أو ثمن بيت كان يأويه إلى جانب أطفاله وأهله، كمثل من يقوم بدفن ماله تحت التراب في مكان مجهول، ربما لأنه كان فاقد الوعي أو معصب العينين ليبحث عنه من جديد دون أن يعرف له مكانا.

وكذلك من يبيع ممتلكاته لتباع بالخسارة ويتوقع أن يجني الربح، كمن يرمي نقوده في قاع بحر عميق ويتوقع أن يحملها له الموج إلى الشاطئ أو اليابسة قطعا من ذهب قيمتها تعادل أضعافا مضاعفة قيمة ما رمى في قاع البحر.

كون هاتين الظاهرتين مظهرا أو نوبة من نوبات الجنون الجماعي أمر يصعب نقاشه أو الاعتراض عليه، هذا الجنون الجماعي الذي سيتصاعد ويبلغ الذروة في مراحل لاحقة، فماذا عن نوبة ذروة الجنون الجماعي؟

يتواصل…….

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى