ذروة الجنون الجماعي
نوبة الذروة في الجنون الجماعي هي التي يعيشها البلد راهنا. فلماذا تعتبر هذه النوبة بمثابة الذروة من هذه الظاهرة ” الإبسيكو-اجتماعية” يتعين لفت الانتباه إلى أن كل الأسباب والعوامل التي أدت إلى ظهور الظاهرة محل الحديث ، في المجتمع ، تبقى موجودة وتتراكم ، وبمرور الوقت تتطور ، تتفاعل تتصاعد، فيكون التيار اقوى في كل مرحلة تتلو سابقتها. هذا هو المنطق الطبيعي للأشياء.
هناك جانب أخر يؤهل النوبة الراهنة إلى أن تصبح بمثابة الذروة ويتمثل في كون مظاهر سلوك الجنون الجماعي أشد وضوحا هنا، فهو يظهر بشكل صارخ في سلوك الناس الآن. الناس الآن أكثر جسارة في التعرض للثوابت أخلاقية كانت أو سياسية ، وأقل حياءا في التعبير والممارسة وأجبن في التعاطي مع بعض القضايا التي تهم الرأي العام، من أي وقت مضى . مثال ذلك أن رؤساء موريتانيا السابقين باستثناء الرئيسين المرحومين السيد المختار ولد داداه والسيد سيد ولد الشيخ عبدالله وبوجود الفارق بينهما كانت كل من حرميهما تطمح إلى / أو تحتل حضورا قويا في الشأن العام ، أما باقي الرؤساء السابقين فلا تكاد تعرف – بالنسبة لغير المقربين – هل لديهم حريم أم لا .
فتاة كريمة المحتد ، بغض النظر عن صفاتها الشخصية ، فهي تبدو موطأة الأكناف وهي دكتورة ذات تأهيل علمي عالي ، وبغض النظر عن كل هذه الصفات الشخصية ، فهي تنحدر من أبوين كريمين ، أب مناضل وطني كبير ، صاحب قضية، قبل أن يصبح موظفا ساميا ودبلوماسيا مثل البلد في أكثر من مكان أحسن تمثيل ، وأم كريمة من الدوحة الشريفة . وهي فوق كل هذا سيدة أولى بمعنى أنها زوجة رئيس الجمهورية وأم لأطفال منحدرين من مشيخة دينية محترمة من مشيخات البلد.
تقرر هذه الفتاة السفر للإشراف على نشاط منظمة غير حكومية تديرها ، فيأتي المطبلون والمصفقون والبهلوانيون من كل حدب وصوب ، وكأنهم يستجيبون لنداء نبينا إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه عندما أمره ربه برفع الأذان بعد إقامة القواعد من البيت، بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم « وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ» الآية، صدق الله الله العظيم، أو كأنهم سمعوا النفخة الثانية في الصور ، نفخة القيامة ، فقاموا سراعا إلى المحشر!
من بين هؤلاء وزراء ، ومديرون ، ونواب وعمد ، ورجال أعمال، يتسابقون مع عامة لا في العير ولا في النفير ، المنكب بالمنكب والساق بالساق.!
هؤلاء رأوا الوقت مناسبا والمناسبة كافية لإطلاق صيحات تبدو من أعماق القلب لمن ليست لديه فكرة عن التمثيل، لمأمورية ثالثة أو لفتح المأموريات وخرق الدستور، وبعضهم دون ودعا في تدويناته السيدة الأولى لأن تكون المترشحة والوريثة للرئيس ، علما أن الرئيس صرح أنه لا يريد مأمورية ثالثة – ملكيون أكثر من الملك؟! – عجبا وأي عجب ! الرئيس كذلك لا يرضى عن ترشيح مرشح أو مرشحة وهو في عز مأموريته الثانية التي استحقها بقوة القانون. أي اسم مطابق لهذا السلوك سوى الجنون الجماعي وبدرجة عالية؟!
نصيحة مجانية نسديها بالمناسبة لصاحب الفخامة أن يحذر بعد التكريم والتبجيل ربات الخدور، وأن يتذكر الفعل التاريخي للمدللات من مثيلات “ماري انطوانت” زوجة لويس السادس عشر.
الشيء بالشيء يذكر، وكما صاحبت نوبة الذهب ظاهرة البيع الخاسر الغريبة ، وهي ظاهرة مجنونة دون شك ، يتعين الحديث عن ظاهرة مجنون أخرى صاحبت نوبة ذروة الجنون الجماعي هي هجرة الشباب أو القفز من فوق الحائط.
هذه الظاهرة دون ريب ظاهرة مجنونة ، لكن النظام القائم تعامل معها بنفس الطريقة التي تعامل بها سلفه مع ظاهرة التعدين الأهلي ، كل يرى في الظاهرة التي ميزت عهده متنفسا ضروريا وهدية ثمينة أهدته السماء إياها ، رغم مخاطرهما الاقتصادية والاجتماعية وما تمثلان من خطورة في المستقبل.
أما إلى هؤلاء المتزلفين فإننا نتوجه إليكم بهذا السؤال ماذا أبقيتم من ثبات وتثبت وقناعة لفتنة المسيح الدجال، ما هو مصيركم عندما تدرككم هذه الفتنة وترون سيوله وإغراءاته وخوارقه؟
يبقى السؤال المطروح هل هناك دواء لهذا الداء “السيكو – اجتماعي” ، وعلى من يعول في علاجه ، إذا كانت النخبة عموما والنخبة المثقفة أولى ضحاياه؟
المثقف المختلف كما يسميه مفكرو النخبة هو “باستور المنقذ” لهذا الداء، لكن الدهشة ستكون كبيرة حينما نعلم أن المثقف المختلف هذا ، هو الأخر مجنون إلى حد ما لأنه يرفض الانصياع لسلوك القطيع، وهو في النهاية من يمكن أن يتصدى له ويستطيع تغييره.






