لماذا نخاف من البداية؟
أحيانا لا يكون أصعب ما في تحقيق الحلم هو الطريق الطويل الذي ينتظرنا وإنما الخطوة الأولى التي نقف أمامها مترددين نعرف ما نريد ونفكر فيه كثيرا وربما نتخيل أنفسنا وقد وصلنا إليه لكن عندما تأتي لحظة البداية يظهر الخوف ونبدأ في البحث عن أسباب تجعلنا نؤجلها
لماذا نخاف من البداية؟
هل لأننا لا نملك القدرة على المحاولة أم لأننا نخشى ما قد يحدث بعد أن نبدأ؟
في رأيي هناك سببان يجعلان الإنسان يتردد كثيرا: الخوف من الفشل والخوف من كلام الناس وكلاهما قادر على أن يجعل الإنسان يتراجع عن شيء كان يريده بشدة
أنا شخصيا أخاف كثيرا من الفشل كما أنني أهتم أحيانا بما قد يقوله الآخرون عني أكثر ما أخشاه من كلام الناس هو السخرية قد أفكر في القيام بشيء جديد ثم أتخيل أن أحدهم قد يسخر مني أو يقلل من محاولتي فأبدأ بالتردد وقد مررت بمواقف جعلتني أراجع بعض خطواتي بسبب خوفي من نظرة الآخرين
لكنني مع الوقت بدأت أفهم أن المشكلة ليست دائما في كلام الناس وإنما في المساحة التي نمنحها لهذا الكلام داخلنا فالناس سيتحدثون في كل الأحوال؛ قد يمدحونك عندما تنجح وقد يسخرون منك عندما تبدأ وقد ينتقدونك حتى عندما تصل وإذا جعل الإنسان رضا الآخرين شرطا لكل خطوة يأخذها فقد يقضي حياته وهو ينتظر موافقة الجميع وهي موافقة لن تأتي أبدا
ومع ذلك لا أعتقد أن علينا تجاهل كل كلام يوجه إلينا فهناك فرق بين السخرية والنقد وبين شخص يريد إحباطك وشخص يحاول أن ينبهك إلى خطأ النقد الصادق يمكن أن يساعدنا على التطور أما السخرية فلا ينبغي أن تكون سببا في دفن أحلامنا
أما الخوف من الفشل فأراه مختلفا قليلا الفشل مؤلم فعلا ولا أعتقد أن علينا أن نتظاهر بأنه شيء سهل أو جميل أن تبذل جهدك ثم لا تحصل على النتيجة التي كنت تتمناها أمر قد يحبطك ويجعلك تشك في نفسك لكنني أؤمن في الوقت نفسه بأن الفشل ليس نهاية الطريق
من تجاربي في الحياة تعلمت أن المحاولة التي لا تنجح كما أردنا لا تعني أننا انتهينا قد تكون تجربة مؤلمة لكنها قابلة للتجاوز ويمكن أن نتعلم منها ونعود بمحاولة أخرى أكثر وعيا وأحيانا لا نكتشف قدرتنا على الاستمرار إلا عندما نمر بشيء لم ينجح معنا
ولهذا أعتقد أن الفرق الحقيقي ليس بين الإنسان الذي يفشل والإنسان الذي لا يفشل لأن الجميع معرضون للفشل وإنما بين شخص يتوقف عند أول عثرة وشخص يحاول أن يفهم ما حدث ثم يواصل طريقه
هناك أيضا سبب آخر يجعلنا نخاف من البداية وهو أننا ننتظر أن نكون مستعدين تماما نقول لأنفسنا: سأبدأ عندما أتعلم أكثر عندما تتحسن ظروفي عندما أمتلك ثقة أكبر أو عندما يأتي الوقت المناسب وهكذا يمر الوقت ونحن نؤجل الشيء نفسه
لكن هل يوجد فعلا وقت مثالي للبدء؟
أعتقد أن الإنسان يستطيع أن يستعد وأن يخطط وأن يتعلم قبل أن يبدأ لكنه لن يشعر غالبا بأنه مستعد مئة بالمئة فالثقة تأتي مع المحاولة والخبرة تأتي مع التجربة والطريق نفسه يعلمنا أشياء لم نكن لنتعلمها ونحن واقفون في مكاننا
ومن هنا أرى أن الانتظار الطويل قد يتحول من استعداد إلى عائق فإذا ظل الإنسان ينتظر الظروف المثالية فقد تمر السنوات دون أن يأخذ الخطوة التي كان يخاف منها وربما يكتشف بعد ذلك أن الشيء الذي كان يخيفه لم يكن يستحق كل ذلك التردد
أنا لا أقول إن علينا أن نتوقف عن التفكير أو أن نبدأ كل شيء دون استعداد بل أعتقد أن علينا أن نعرف متى يكون التخطيط ضروريا ومتى يتحول إلى وسيلة لتأجيل ما نخاف منه أحيانا لا نحتاج إلى خطة كاملة بل إلى خطوة أولى واضحة
والأهم من ذلك أن نفهم أن البداية لا تعني النجاح الفوري قد نبدأ ونخطئ وقد نضطر إلى تغيير الطريق وقد نكتشف أن ما كنا نريده يحتاج إلى وقت أطول مما توقعنا وهذا كله طبيعي فالإنسان لا يصبح أفضل لأنه لم يخطئ وإنما لأنه تعلم من أخطائه ولم يسمح لها بأن تكون سببا في توقفه
ربما لهذا أصبحت أؤمن أن الخوف ليس دائما علامة على أننا نسير في الطريق الخطأ أحيانا نشعر بالخوف لأن الخطوة التي أمامنا مهمة بالنسبة إلينا المهم ألا يتحول هذا الخوف إلى قرار نيابة عنا
ولو طلب مني شخص لديه حلم لكنه متردد في البدء أن أقول له شيئا فسأقول له: لا تنتظر الوقت المناسب لتبدأ ابدأ عندما تستطيع بما تملك وبالطريقة التي تناسبك لا تجعل احتمال الفشل يمنعك من المحاولة ولا تجعل سخرية الآخرين تختار مستقبلك بدلا منك
وفي النهاية ربما لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من الخوف ولا نستطيع أن نضمن النجاح قبل أن نحاول ولا نستطيع أن نتحكم فيما يقوله الناس لكننا نستطيع أن نقرر ماذا سنفعل بهذا الخوف
قد نتراجع ونبقى في المكان نفسه وقد نخطو خطوة إلى الأمام ونكتشف أن الطريق كان يستحق أن نجربه
وأنا أؤمن أن الإنسان لن يعرف أبدا إلى أين يمكن أن يصل إذا ظل واقفا عند نقطة البداية لذلك مهما كان الخوف كبيرا يجب ألا يكون أكبر من الحلم.







