sliderالمبتدأ

ردّ تاريخي مفصّل على من يقولون: «موريتانيا لم تكن موجودة قط، وإنما منحتها فرنسا للمختار ولد داداه»

كتب: مولاي الحسن ولد الجيد

هذا الخطاب، الذي يردّده الريسوني وغيره من منظّري النزعة التوسعية، يتهاوى أمام خمس حقائق تاريخية موثّقة.

1. موريتانيا قبل الاستعمار لم تكن فراغًا

كانت الأرض التي تقوم عليها موريتانيا اليوم مهدًا لحضارات ودول:

أ. الإمبراطوريات الكبرى

كان جزء من موريتانيا ضمن إمبراطورية غانا، التي امتدّ وجودها من القرن الثالث الميلادي إلى سنة 1200، وكانت تتحكّم في تجارة الذهب والملح. ومن موريتانيا انطلقت دولة المرابطين في القرن الحادي عشر، التي أسّسها عبد الله بن ياسين انطلاقًا من آدرار، وبسطت سلطانها على المغرب والأندلس.

ب. عصر الإمارات المستقلة، ابتداءً من القرن السابع عشر

بعد حرب شرببّه الشهيرة، ظهرت إمارات مستقلة لها أسر حاكمة وجيوش وقضاء وعلاقات خارجية، من بينها:

  • إمارة الترارزة: تأسّست نحو سنة 1640، وحكمتها أسرة أولاد أحمد بن دمان، وكان أشهر حكّامها أعلي شنظورة (1660–1727)، حليف السلطان مولاي إسماعيل.
  • إمارة البراكنة.
  • إمارة آدرار: تأسّست سنة 1740.
  • إمارة تكانت: أسّستها إدوعيش.

واستمرّت هذه الإمارات في الحكم حتى وصول فرنسا. وعليه، فقد كان هناك نظام سياسي قائم قبل مجيء الفرنسيين بنحو 250 عامًا.

2. فرنسا لم تُنشئ موريتانيا، بل احتلّتها بصعوبة

جاء التوغّل الفرنسي متأخرًا جدًا:

  • 1901: كُلّف كزافييه كبولاني بمهمة «إخضاع موريتانيا»، تحت مسمّى «التهدئة».
  • 1903–1904: فُرضت معاهدات الحماية بالقوة على الترارزة والبراكنة وتكانت.
  • 1909–1912: رفضت إمارة آدرار الخضوع، وقاومت بقيادة الشيخ ماء العينين.
  • 1920: أعلنتها فرنسا رسميًا مستعمرة، وألحقتها بإفريقيا الغربية الفرنسية.
  • كانت فرنسا تديرها من مدينة سان لويس في السنغال، لعدم وجود مدينة في موريتانيا قادرة على احتضان الإدارة.
  • 1934: لم تُرسَم الحدود النهائية إلا في هذا التاريخ، بعد احتلال إسبانيا لوادي الذهب.
  • 1960: لم تكن نواكشوط قائمة بوصفها عاصمة؛ إذ لم تكن سوى قصر عسكري صغير، اختاره ولد داداه، ثم شُيّدت العاصمة من الصفر.

إذًا، لم تمنح فرنسا شيئًا، بل احتلّت كيانات قائمة. وقد أكّدت محكمة العدل الدولية في لاهاي، في رأيها الاستشاري الصادر في 16 أكتوبر 1975، أن المنطقة لم تكن، عند استعمارها، أرضًا بلا سيّد، بل كانت تضمّ قبائل وسلطات سياسية مستقلة.

3. أكذوبة «الهدية لزوجته الفرنسية»

هذا القول إهانة للتاريخ. أما الحقيقة فهي:

تزوّج المختار ولد داداه في باريس، يوم 4 نوفمبر 1958، بالمحامية ماري تيريز غادروا، التي أصبحت تُعرف بمريم بنت داداه بعد اعتناقها الإسلام سنة 1977. نعم، زوجته فرنسية الأصل.

لكن مسار الاستقلال لا علاقة له بزواجه:

  • ينحدر من أسرة علمية من قبيلة أولاد أبيري في بوتلميت، وحصل على البكالوريا في سان لويس، ثم درس القانون في باريس، وأصبح محاميًا في داكار خلال عامي 1956–1957.
  • انتُخب نائبًا عن آدرار سنة 1957، ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس الحكومة في 20 مايو 1957.
  • أعلن الاستقلال يوم 28 نوفمبر 1960، بحضور رئيس الوزراء الفرنسي ميشيل دوبريه.
  • ولو كان الاستقلال هدية فرنسية، فلماذا انسحب سنة 1973 من منطقة الفرنك، وأنشأ عملة وطنية هي الأوقية، وألغى الاتفاقيات الثقافية والاقتصادية مع فرنسا، ثم أمّم شركة الحديد «ميفرما» يوم 28 نوفمبر 1974؟ إن الرجل الذي تمنحه فرنسا بلدًا لا يُقدم على تأميم شركاتها.

4. مقاومة شرسة استمرّت ثلاثين عامًا

تُعدّ موريتانيا من البلدان التي أبدت أشدّ مقاومة:

  • مقاومة الأمير محمد الحبيب، أمير الترارزة (1827–1860).
  • المقاومة الكبرى للشيخ ماء العينين، المولود سنة 1830 قرب ولاتة، في الحوض الشرقي الموريتاني، وهو نجل الشيخ محمد فاضل، مؤسّس الطريقة الفاضلية المتفرّعة عن القادرية. أسّس سنة 1898 مدينة السمارة لتكون زاوية وحصنًا للمقاومة ضد فرنسا وإسبانيا، ودعا إلى الجهاد. وبتمويل وتسليح من السلطان المغربي مولاي عبد العزيز، هاجم المركز التجاري لدونالد ماكنزي في طرفاية. وفي سنة 1905، أرسل ابنه إلى آدرار، وقتل مريدوه المفوّض الفرنسي كزافييه كبولاني في تجكجة يوم 12 مايو 1905. وقد أخّر هذا الحدث الاحتلال خمس سنوات. وتوفّي الشيخ ماء العينين في تيزنيت يوم 23 أكتوبر 1910، بعد معركة تادلة ضد الجنرال موانييه.
  • تواصلت المعارك بعد وفاته؛ فهاجم الرقيبات مدينة بور إتيان، نواذيبو حاليًا، عامي 1924 و1927، ثم خاضوا آخر معاركهم الكبرى سنة 1934، بعدما قطعوا ستة آلاف كيلومتر لمهاجمة الفرنسيين.

أفشعبٌ خاض مقاومة كهذه يكون شعبًا بلا تاريخ؟

الخاتمة

موريتانيا ليست هدية، ولا اختراعًا فرنسيًا، بل هي وريثة إمبراطوريات وإمارات ومقاومة امتدّت ستين عامًا. لم تمنحها فرنسا لأحد، وإنما خرجت منها مضطرّة، تاركة بلدًا فقيرًا بلا عاصمة. وقد بنى الموريتانيون دولتهم من الصفر.

ومن ينكر وجود موريتانيا، فعليه أن ينكر وجود جميع دول المنطقة؛ لأن حدودها جميعًا رسمها المستعمر، لكن شعوبها وتاريخها كانت موجودة قبله بآلاف السنين.

وباسم التاريخ، وانطلاقًا من المسؤولية التي اضطلعت بها بصفتي منتخبًا ومرشّحًا لرئاسة الجمهورية، أضع هذه الوثيقة بين يدي الرأي العام.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى