sliderمقالات ورأي

رسالة مفتوحة إلى الرئيس: تحذير من أزمة حدودية تهدد الثروة الحيوانية

التراد ولد سيدي

إلى فخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني،

تحية تقدير واحترام تليق بمقامكم، خالية من التملق والنفاق..

أكتب إليكم بصفتي مواطناً من “أهل الحوض”، عركته السنون وأفنى أكثر من ثمانين عاماً من عمره في الاهتمام بشؤون الوطن، ومتابعة هموم المواطنين، ولاسيما الطبقات الهشة والمهمشين، ومعاينة حياة المزارعين في “الأدباي” والتجمعات الزراعية، ومعايشة معاناة المنمين ومربي الماشية بكافة فئاتهم.

إنني، سيادة الرئيس، لم ألمس في أي مرحلة من تاريخنا المعاصر أن اهتمام السلطات الوطنية قد ارتقى لمستوى الحاجة الفعلية والمتطلبات الحقيقية للعناية بالفقراء، وخصوصاً المزارعين والمنمين. ورغم ما تميزت به حقبة الاستقلال الأولى في عهد “أب الأمة” الأستاذ المختار ولد داداه -رحمه الله- ورفاقه، الذين كانوا من أنضج ما شهده البلد من رجال، إلا أنهم لم يولوا الاهتمام الكافي للبيئة والمحافظة على الثروة الوحيشية والنباتية الهائلة التي كانت تعج بها البلاد. وبسبب هذا القصور، كان وقع الجفاف الذي بدأ في أواخر الستينات مدمراً. كما لم تتأسس في ذلك العهد سياسة واضحة للتنمية الحيوانية، أو تسويق اللحوم، أو إنشاء مصانع للألبان والأعلاف والجلود، إلا قبل سقوط النظام بسنوات قليلة، حيث بدأت بوادر توجهات واعدة بإنشاء مزارع تجريبية كمزرعة “انبري”، ومؤسسات مثل “صنادير”، ومشروع تنمية المواشي في الحوض الشرقي الذي لم يكتمل!

وبعد الإطاحة بنظام المختار في العاشر من يوليو، تضاعف تدمير البيئة بفعل غياب الوعي الشعبي وتوالي سنوات الجفاف. وقد انصب اهتمام الحكومات المتعاقبة طيلة فترتي ولد هيدالة ومعاوية ولد الطايع على الهاجس الأمني والحفاظ على السلطة أكثر من أي شيء آخر، ورغم بعض المبادرات، إلا أنها لم تسفر عن سياسة تنموية متكاملة.

سيدي الرئيس، إن اهتمام سلفكم واهتمامكم الحالي -رغم تقديرنا له- لم يثمر حتى الآن تغييرات جذرية تنهض بواقع التنمية والزراعة. نحن لا نتهمكم بعدم الاهتمام، فقد أظهرتم إرادة في ذلك، لكن حاجة هذا القطاع والجماهير الغفيرة التي تعتمد عليه تتطلب إجراءات حقيقية مدروسة، ومتابعة دقيقة مبرمجة، تقود إلى الحل النهائي ولو بعد حين.

فخامة الرئيس، يجب التأكيد على حقيقة جلية: لولا جمهورية مالي بشكل خاص، والسنغال بدرجة أقل، لما كانت لموريتانيا اليوم ثروة حيوانية. لقد اعتمد المنمون الموريتانيون تاريخياً على الأراضي المالية، خاصة سكان الحوضين ولعصابة وكيدي ماغا، وهي الولايات الأكثر امتلاكاً للمواشي بمختلف أنواعها.

إن هدفي من هذا العرض هو الوصول لجوهر الموضوع؛ وهو التأكيد لفخامتكم على أمر لا يخفى عليكم: بلادنا لا تستطيع التوقف عن الانتجاع في مالي بشكل مفاجئ، فهذا أمر مستحيل واقعياً. وما يحدث اليوم من توتر على الحدود يجب ألا يستمر إذا أردنا تجنب تدمير الحياة الاقتصادية في الولايات الشرقية والجنوبية. إننا نشهد بداية كارثة حقيقية إذا بقي وضع الحدود على حاله. لذا نرجو من الله أن يلهمكم الموقف الأرشد، فما يجري يشكل تهديداً وجودياً لمواطنينا في المناطق الحدودية. وقبل أن نضع الخطط التي تمكن حيواناتنا من العيش الدائم فوق أراضينا، علينا ألا نترك الأوضاع الحدودية تتدهور أكثر!

سيدي الرئيس، إن سكان الحوضين ولعصابة وكيدي ماغا يناشدونكم التدخل لإعادة الأمور إلى نصابها.

وكيف السبيل إلى ذلك؟

إن أطراف الصراع في الجوار تربطنا بهم وشائج تمكننا من لعب دور الوسيط لتضييق شقة الخلاف بينهم وبين حكومتهم المركزية. والحكومة المالية ستكون مستعدة بلا شك لمجهود دبلوماسي يتمتع بالمصداقية، يخفف من الاضطرابات التي عانوا منها، خاصة وأن مالي تحتاجنا كمنفذ حيوي على المحيط بقدر حاجتنا لأراضيها الرعوية.

إن وجود مجموعات من “العرب والفلان” -الذين ينتمي إليهم بعض المتمردين- في المناطق الحدودية، جعل حكومة مالي تتوهم أننا ندعمهم، لكونهم الحواضن الاجتماعية لتلك الحركات. وتعلم الحكومة المالية أن المتمردين يدخلون أرضنا لأن ذويهم لاجئون عندنا، حيث يتزودون بما يحتاجون. إن هذا الواقع الحدودي المعقد يثير شكوك وإزعاج السلطات المالية، وهو أمر يمكن تفهمه والتعامل معه بحكمة ودبلوماسية.

فخامة الرئيس، إن ما لديكم من تقارير يغني عن التوسع في الأمثلة، لكن المسألة في غاية الخطورة. وإذا لم يُعالج وضع الحدود مع مالي بحزم وحكمة، فإن أهل الحوض سيضطرون للنزوح نحو نواكشوط ونواذيبو، ليتكدسوا في أحياء البؤس، مما يهدد الاستقرار والأمن والسكينة العامة.

سيدي الرئيس، هذا رأي ناصح، خالعٍ لربقة الغرض، من مواطن “حوضي” مشفق، يرى نذر الخطر تلوح في الأفق. نسأل الله أن يعينكم ويوفقكم لما فيه خير العباد والبلاد.. واعلموا أن مواطنيكم في الشرق والجنوب في “حيص بيص”!

التراد ولد سيدي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى