sliderتقارير

السفير المختار ولد داهي: دبلوماسي معتمد لا “سفير مُجمَّد”

كتب: محمد نعمه عمر

في خضم النقاش المتصاعد حول العلاقات الموريتانية-السعودية، برز اسم السفير الموريتاني في الرياض، المختار ولد داهي، كأحد محاور الجدل، في سياق قراءات سياسية ذهبت بعيدًا في توصيف وضعيته، واصفةً إياها بـ“التجميد” أو التعطيل. غير أن هذه القراءة تفتقر إلى الدقة، وتقوم على استنتاجات غير مسندة إلى معطيات واقعية ملموسة، كما تتجاهل قواعد راسخة تحكم العمل الدبلوماسي بين الدول.

ضوابط الاعتماد وسياقات العمل الدبلوماسي

أول ما ينبغي توضيحه هو أن المختار ولد داهي لم يغادر نواكشوط أصلًا إلا بعد استكمال مسار اعتماده وفق الإجراءات الدبلوماسية المرعية، وهو ما ينفي قاطعًا الرواية التي تتحدث عن وجود سفير موريتاني في الرياض دون اعتماد. فالأعراف الدبلوماسية لا تسمح أصلًا بمباشرة المهام في بلد الاستقبال دون إتمام هذا الإجراء السيادي، وأي حديث عن “سفير مجمّد” في هذه الحالة يفتقد للأساس الواقعي والمنطقي.

ولتوضيح الصورة أكثر، فإن التقاليد الدبلوماسية المعمول بها دوليًا تمر بثلاث مراحل أساسية لاعتماد السفراء:

1. مرحلة الاقتراح (الاستمزاج):

يُقترح اسم السفير عبر مذكرة رسمية، ويُمنح صفة “السفير المقترَح”، وتُمنح الدولة المستقبِلة مهلة قد تصل إلى 120 يومًا للرد.

2. مرحلة التعيين:

عند قبول الدولة المستقبِلة، يُصدر مرسوم التعيين، فيصبح المعني “سفيرًا مُعيَّنًا”.

3. مرحلة الاعتماد الفعلي:

عند وصول السفير، يقدّم نسخة من أوراق اعتماده لوزارة الخارجية، وبذلك يباشر مهامه فعليًا، ويُصبح “سفيرًا معتمدًا” قادرًا على تمثيل بلاده رسميًا.

أما تقديم أوراق الاعتماد لرأس الدولة، فهو إجراء بروتوكولي تأكيدي لاحق.

وفي هذا السياق، فإن الحديث عن “عدم اعتماد” السفير المختار ولد داهي يتجاهل هذه المراحل، ويخلط بينها بشكل غير دقيق.

وللمقارنة، فإن حالة الرفض الدبلوماسي الحقيقي تختلف تمامًا، كما حدث سابقًا مع السفير المقترح عبد الله ولد كبد، الذي لم تتلقَّ موريتانيا بشأنه رد قبول، وبالتالي لم يتجاوز مرحلة “الاستمزاج”. أما في حالة القبول، فتتضمن الرسالة الرسمية عبارات واضحة من قبيل الترحيب بالسفير والتطلع إلى مباشرته مهامه.

أعراف البروتوكول وترتيب تقديم أوراق الاعتماد

تخضع مسألة تقديم أوراق الاعتماد لقاعدة بروتوكولية معروفة:

“القادم أولًا، المقدِّم أولًا”، وهي قاعدة تنظيمية لا تعكس أي موقف سياسي.

وفي هذا الإطار، يوجد في المملكة العربية السعودية عشرات السفراء الذين لم يقدموا بعد أوراق اعتمادهم لرأس الدولة، رغم مباشرتهم مهامهم، من بينهم سفراء دول كبرى وإقليمية، بعضهم منذ سنتين، وآخرون منذ عام أو أكثر، بما في ذلك سفراء موريتانيا والجزائر والإمارات وغيرها.

وعليه، فإن تأخر تقديم أوراق الاعتماد لا يمكن تفسيره كدليل على أزمة أو رفض، بل يدخل في إطار الترتيب البروتوكولي الطبيعي.

تفنيد القراءة الشخصية للأزمة

ثانيًا، إن الربط بين تأخر أو تعقيد بعض المسارات الدبلوماسية وبين شخص السفير نفسه يُعد تبسيطًا مخلًّا لطبيعة العلاقات الدولية؛ تلك العلاقات التي تُدار وفق اعتبارات أوسع من الأشخاص، وتشمل ملفات إقليمية، وتوازنات سياسية، وأولويات استراتيجية متغيرة. وعليه، فإن تحميل المختار ولد داهي مسؤولية ما يُوصف بـ“الفتور” أو “إعادة المعايرة” في العلاقات لا يستقيم مع أبجديات العمل الدبلوماسي الرصين.

ثم إن المسار المهني للسفير المختار ولد داهي، وخبرته التراكمية في العمل الحكومي والإعلامي والدبلوماسي، تؤكد أنه ليس شخصية هامشية أو قابلة للتجاوز بسهولة، بل يمثل خيارًا مدروسًا ضمن رؤية الدولة لإدارة علاقاتها الخارجية. وبناءً عليه، فإن فرضية “رفضه” أو “تجميده” تتناقض كليًا مع طبيعة التعيينات السيادية التي تخضع لمشاورات دقيقة وتفاهمات مسبقة قبل إعلانها الرسمي.

العلاقات الثنائية: مسار قائم لا أزمة معلنة

أما على مستوى العلاقات بين موريتانيا والمملكة العربية السعودية، فإن المعطيات المتوفرة تشير إلى أن التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي بين البلدين قد قطع أشواطًا معتبرة، ولا توجد مؤشرات رسمية على وجود أزمة معلنة تستدعي هذا المستوى من التأويل.

وبالتالي فإن:

• المختار ولد داهي سفير معتمد وفق المسار الدبلوماسي الكامل

• الحديث عن “تجميده” قائم على خلط بين مراحل الاعتماد

• تأخر تقديم أوراق الاعتماد لرأس الدولة أمر بروتوكولي شائع

• العلاقات الموريتانية-السعودية مستمرة ضمن مسار طبيعي

• ما يُروَّج يندرج في إطار تأويلات سياسية أكثر من كونه وقائع ثابت

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى