إنّ قادة الرأي عندنا، ورؤساء الأحزاب والحركات والمبادرات والنوادي والجمعيات ــ من أقصى الموالاة بتنوع أشكالها، إلى أقصى المعارضة بتنوع توجهاتها ومشاربها ومنطلقاتها ــ جلّهم يتحدثون عن الحوار ونتائجه ومآلاته المتوقعة. بعضهم يريده مفتاحاً لكل الأبواب المغلقة، وجسراً للشراكة في المال والقوة والسلطة، وبعضهم يريده إنهاءً للعزلة والتضييق والحصار الذي عانوا منه، بينما يراه آخرون بدايةً لنيل مكانتهم وتعويضاً عن الفرص الضائعة في الحياة، والتي أعيتهم الحيلة في الوصول إليها رغم كل ما بذلوه من جهد وسعْي.
إنّ الجميع في فلكنا السياسي يبدون غارقين حتى الآذان في الحديث عن الحوار، لكنك إذا دققت النظر، تراهم جميعاً خارج سياقه؛ تارةً متحمسين مندفعين، وتارةً منسحبين وزاهدين. إنهم في الحقيقة لا يعلمون ما يراد بالحوار، ولا ماذا يريدون هم منه!
لماذا يبدو الجميع في قلب الحوار وخارجه في آن واحد؟
لأننا في الواقع لا نعيش حواراً، ولا نسعى إليه، بل ولا نملك موضوعاً نتحاور حوله من الأساس.
إننا في بلد شارف عمره على ستة عقود ونصف، مضت كلها ونحن ندمر مقوماته بدل أن نبنيه؛ فدمرنا البيئة، وصحّرنا الأرض، واستنزفنا البحر، ونهبنا الثروات، وقضينا على الحياة البرية والثروة الحيوانية. وبدلاً من أن نتقدم في التعليم ازددنا جهلاً بإهمالنا للغتنا الوطنية، لغة القرآن، فأصبحنا عالة على لغةٍ يبحث أهلها أنفسهم عن لغة أخرى تحمي علمهم وثقافتهم؛ نعتمد الفرنسية التي يعجز الفرنسيون عن حماية مكانتها بين اللغات الحية، ومن مفارقات القدر أننا نهمل العربية ونكاد نلغيها لولا أننا نؤدي بها الفرائض، وإنما يحفظها الله بكتابه وشرعه.
إننا بعد هذه العقود الطويلة، نرى أنفسنا في بلد يتهدده التفكك؛ لأننا عجزنا عن اجتثاث العنصرية والتمييز بين مكوناته رغم إسلامنا، والمسلمون لا يفضل فيهم عربي على أعجمي إلا بالتقوى. عجزنا تماماً عن تحقيق العدالة والمساواة في توزيع الثروة والمكانة وتكافؤ الفرص!
إننا بعد خمسة وستين عاماً من الاستقلال، نملك مليون كيلومتر مربع بلا شبكة طرق؛ فلا نملك طريقاً وطنياً حقيقياً واحداً، ولا خطوط سكة حديد تربط أطرافنا المتباعدة. كما تفتقر البلاد من طولها إلى عرضها لخدمات مياه الشرب، وغابت الكهرباء الدائمة عن مدننا الرئيسية بما فيها العاصمة، فضلاً عن انعدام شبكات الصرف الصحي. وداهية الدواهي أننا لا نزرع حاجتنا من الحبوب والخضار والفواكه رغم وفرة المياه والتربة الخصبة في مناطق لو استُغلت لأنهت التبعية الغذائية ووفرت فائضاً للتصدير، بينما يكلفنا الاستيراد حالياً مليارات نحن أحوج ما نكون إليها لدعم قطاع الصحة المتهالك، والتعليم المنهار، وغيرها من القطاعات المهملة.
أفَيُعقَل أن بلداً يعيش هذه الحالة المأساوية، وتحكمه طبقة من المفسدين الذين يرون الخير كله محصوراً في ذواتهم وأسرهم، بينما يطالبون الشعب بالامتنان لمجرد وجودهم وبما يجودون به من فتات؛ أفيُعقَل أن بلداً هذا حاله ينتظر حواراً يرتجى منه نفْع؟!
أيوجد ما هو أكثر أولوية وإلحاحاً من إنهاء مخلفات الرق، وعلاج الشرخ الاجتماعي بين المكونات، وانتخاب قيادة واعية تحارب الفساد بجدية، وتقضي على التمييز والترفع والتهميش والإقصاء؟
إننا نجزم بأنه لا أمل يُرتجى من نظام فاسد يجامل الفساد، ويعتمد على المفسدين ويُبوّئهم مناصب القيادة والمسؤولية، في أن يخطو خطوة واحدة نحو التطور. إن أولى الأولويات هي اجتثاث الفساد ورموزه، وإنهاء هيمنتهم على الإدارة والبرلمان والقضاء؛ فما دام المفسدون في سدة الحكم فماذا ينتظر منهم سوى ما يتقنونه؟ فاقد الشيء لا يعطيه، وهؤلاء ليس لديهم ما يقدمونه إلا ما يشبه صلاحهم. فلنقضِ على منبع الداء، والفساد مصدره السلطة الفاسدة ومناصروها وأحزابها وموالاتها. هؤلاء هم “أهل الحوار”، وهم الذين يريدون منه ما يريده أصحاب القرار: يريدونه أداةً للتضليل، والتشويه، والإلهاء، ليبقى المستغلون في نهبهم، ويسرح ويمرح أصحاب الرشاوى وصفقات التراضي، ويظل المفسدون يملكون من المال السياسي ما يؤلفون به قلوب المتزلفين وجوقة التضليل التي تقتات على المديح وتزييف المنجزات.
لمن ينشد الحقيقة: لا أمل فيما يقدم عليه المفسدون، والأمل الوحيد يكمن في زوال هذا النهج السائد والمستمر منذ انقلاب 10 يوليو 1978. الأمل في ذهابهم وإرساء حكم صالح تقوده كفاءات واعية تخطط وتبرمج، وتعتمد على الأخيار والأكفاء من المواطنين، وتستبعد الأشرار والجهلة والعابثين.
التراد ولد سيدي






