وصلتُ إلى غامبيا وأنا أحمل أمتعة الدبلوماسية المعتادة: ملفات متخمة بالأوراق، وملاحظات مبعثرة بين الصفحات، ومداخلات جرى إعدادها بعناية، وذلك النوع الخفي من الإرهاق الذي يلازم أولئك الذين يقضون حياتهم في الدفاع عن قضايا تعلم العالم كيف يؤجل إنصافها إلى ما لا نهاية.
رسمياً، كنتُ قد جئتُ للمشاركة في تقديم التقرير الدوري للجمهورية الصحراوية أمام اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. كانت مهمة تحكمها اللغة المؤسساتية، والأطر القانونية، ومواعيد الإجراءات؛ فصلاً آخر في الحياة الدبلوماسية الطويلة لشعب ما يزال يصارع من أجل استكمال مسار تصفية استعماره.
لكن شيئاً ما تغير داخلي هناك، في مكان ما بين نسيم الأطلسي الذي يلف بانجول، وبين الكرامة الهادئة التي تسكن الناس العاديين في غامبيا. شعرتُ بأن شيئاً في أعماقي بدأ يتحرك.
كنتُ أتوقع مؤتمراً.
لكنني لم أتوقع أن ألتقي بإفريقيا نفسها.
ثمة بلدان تبهرك منذ اللحظة الأولى بحجمها، أو بطموحها، أو باستعراضها الصاخب لذاتها. ثم هناك بلدان مثل غامبيا، تكمن قوتها في شيء أقل ظهوراً وأكثر بقاءً: سكينة أخلاقية، نوع من التواضع الحضاري، وثقة شعب لا يحتاج إلى الإعلان المستمر عن قيمته كي يمتلكها.
غامبيا لا تهاجمك بالانبهار.
إنها تنزع سلاحك الداخلي.
ولعل ذلك الإحساس تعمق داخلي لأنني كنتُ أعلم أنني أسير على أرض السير داودا كيرابا جوارا، أحد آخر رجال الدولة الأفارقة الذين آمنوا بأن القيادة ليست استعراضاً، بل مسؤولية. رجال خرجوا من الفجر الهش للاستقلال الإفريقي وهم يحملون عبء تخيل إفريقيا، لا كسوق للمصالح المتنافسة، بل كمصير تاريخي مشترك.
بالنسبة لكثيرين خارج القارة، لا يعد جوارا سوى شخصية تاريخية: رئيس سابق، مرجع دبلوماسي، هامش في أرشيف يتناول الوساطات الإفريقية وبناء الدولة ما بعد الاستعمار.
لكن بالنسبة لبعضنا نحن الأفارقة، وخاصة أولئك القادمين من الجغرافيات المجروحة، تحمل بعض الأسماء وزناً عاطفياً يتجاوز السيرة الذاتية؛ تتحول إلى رموز لزمن كانت إفريقيا لا تزال تحاول فيه أن تتحدث إلى نفسها بصدق.
كامرأة صحراوية ولدت في المنفى، وترعرعت داخل واحدة من أطول القضايا العالقة في القارة، أمضيتُ جزءاً كبيراً من حياتي متنقلة بين مؤسسات بُنيت على لغة الشرعية الدولية، بينما كنتُ أشهد، مرة بعد أخرى، فشل الأخلاق الدولية. ومع مرور السنوات، تصبح الدبلوماسية قادرة على أن تجعل الإنسان أكثر قسوة؛ لا لأنك تتوقف عن الإيمان بالعدالة، بل لأنك تصبح شديد الألفة مع الآليات الباردة للتعاطف الانتقائي.
إلا أنه في غامبيا، شعرتُ، على غير المتوقع، بأن تلك القسوة بدأت تلين.
ليس لأن البلد مثالي، فلا وجود لبلد مثالي.
بل لأن هناك، تحت طبقات السياسة وضيق الإمكانات الاقتصادية، إيقاعاً إنسانياً عميقاً فقده جزء كبير من العالم الحديث.
لاحظتُ ذلك أولاً في الطريقة التي ينظر بها الناس إلى بعضهم البعض.
ليس عبر اللامبالاة المتعجلة التي تملأ كثيراً من العواصم، حيث حولت قسوة البقاء البشر إلى معاملات متحركة. في بانجول، ما تزال الأحاديث تتنفس، وما تزال الابتسامات تصل قبل الشك، وما يزال التفاعل الإنساني لم يُستهلك بالكامل بعد في الاستعراض، والسخرية، والحاجة اليائسة إلى الظهور بمظهر المهم.
كانت هناك كرامة في التفاصيل العادية:
في المرأة التي ترتب الفاكهة تحت شمس الظهيرة الثقيلة.
في سائق الأجرة الذي يتحدث عن السياسة بصدق، لا بعرض مسرحي.
في الشباب الذين يحملون طموحهم دون أن يفقدوا رقتهم.
وفي الشيوخ الذين بدا صمتهم أعمق من كثير من الخطب العامة.
ومرة بعد أخرى، وجدتُ نفسي مشتتة عن مهمتي الرسمية بسبب رغبة جارفة في الاكتفاء بالمراقبة.
لأننا، في مكان ما على الطريق، أصبحنا نحن الأفارقة منشغلين إلى حد مفرط بإثبات حداثتنا للعالم، حتى بدأنا نتخلى عن تلك الصفات نفسها التي جعلت هذه القارة استثنائية روحياً.
ذكرتني غامبيا بأن البساطة ليست تخلفاً.
وأن اللطف ليس ضعفاً.
وأن التواضع قد يكون، بحد ذاته، شكلاً من أشكال الحضارة.
داخل قاعات اللجنة الإفريقية، كانت النقاشات تدور حول الحقوق، والمؤسسات، والالتزامات القانونية، ومسؤوليات الدول. كانت اللغة رسمية، دقيقة، وضرورية. لكن خارج تلك القاعات، كانت هناك إفريقيا أخرى تواصل حياتها بصمت: إفريقيا حية في الأسواق، وفي الدعاء، وفي الضحكات، وفي الموسيقى المتسللة مساءً عبر الشوارع، وفي المجتمعات التي ما تزال تفهم شيئاً جوهرياً عن معنى التعايش.
ولم أستطع التوقف عن التفكير في هذا التناقض.
كيف لقارة بهذا العمق الإنساني أن تستمر في المعاناة من هذا السطح السياسي؟
لقد منحت إفريقيا العالم دروساً استثنائية في الصمود، والقدرة على الاحتمال، والإنسانية الجماعية، ومع ذلك يُجبر الأفارقة، مراراً، على اختبار قارتهم من خلال قاموس الأزمات فقط. نوصف عبر مؤشرات النزاعات، وإحصائيات الهجرة، والنداءات الإنسانية، والتقارير الأمنية. ونادراً ما يُنظر إلينا عبر الجمال، أو الذكاء العاطفي، أو تلك الرقة الاجتماعية المذهلة التي ما تزال تعيش بين الناس العاديين رغم كل ما ألحقه التاريخ بهذه القارة من جراح.
المأساة ليست فقط في أن العالم يسيء فهم إفريقيا، بل في أن الأفارقة أنفسهم بدأوا، تدريجياً، يسيئون فهم ذواتهم.
وربما لهذا السبب أثرت فيّ غامبيا بهذا العمق؛ لأنني، وسط هدوئها، شعرتُ بأنني أتعرف على شيء مهدد بالاندثار.
ليس مجرد بلد، بل فكرة معينة عن إفريقيا.
إفريقيا التي لا تحتاج إلى تقليد أحد كي تمتلك قيمتها.
إفريقيا القادرة على الاحتفاظ بلينها الأخلاقي دون أن تسقط في الضعف.
إفريقيا التي ما تزال الذاكرة حية فيها.
إفريقيا التي ما يزال الناس ينظرون فيها إلى بعضهم البعض كبشر، قبل الهويات، وجوازات السفر، والحسابات الجيوسياسية.
وبالنسبة لي كصحراوية، فإن هذه الأشياء تعني الكثير.
فنضالنا لم يكن يوماً متعلقاً بالأرض فقط، بل كان أيضاً معركة من أجل حماية المعنى، من أجل رفض الاختفاء، من أجل الإصرار على أن التاريخ لا يحق له أن يمحو شعباً فقط لأن القوى الكبرى تجد وجوده أمراً غير مريح.
على مدى خمسين عاماً، عاش الصحراويون بين المنفى والمقاومة وهم يحملون عبئاً عاطفياً يكاد يكون مستحيلاً: الدفاع عن الأمل ضد التعب، وعن الهوية ضد التطبيع، وعن الكرامة ضد عادة العالم في النسيان.
وربما بسبب هذا التاريخ، وصلتُ إلى غامبيا بحساسية مفرطة تجاه الروح العاطفية للأماكن.
هناك بلدان تبدو مرهقة من نفسها، وأخرى تبدو منفصلة عن روحها الخاصة.
أما غامبيا، فما تزال تبدو مأهولة بذاتها.
قد تبدو هذه العبارة غريبة، لكن كل من سافر كثيراً سيفهم تماماً ما أعنيه.
هناك دول جاءها التطور محملاً بالاغتراب؛ أماكن دخلتها الحداثة كعاصفة، وتركت وراءها شعوباً لم تعد تتعرف على نفسها في المرآة. أماكن تعلم فيها الناس كيف يستهلكون العالم قبل أن يتعلموا كيف يحافظون على ذواتهم.
أما غامبيا، ورغم كل تحدياتها، فما تزال تحتفظ بنوع من الانسجام الداخلي، دفء اجتماعي، استمرارية روحية، ومقياس إنساني يحميها من أن تصبح غريبة عاطفياً عن نفسها.
وربما لهذا بدا الرحيل مؤلماً على نحو غير متوقع.
حين انتهت زيارتي، أدركتُ أنني لا أغادر مهمة دبلوماسية فحسب، بل أغادر حواراً مع إفريقيا لم أكن أريد له أن ينتهي.
لقد وصلتُ وأنا أحمل تلك الوضعية الدفاعية التي يطورها دبلوماسيو البلدان المجروحة بشكل لا إرادي؛ ذلك الحذر الغريزي لأولئك المعتادين على شرح معاناة شعوبهم أمام جماهير غالباً ما تستهلك الظلم بشكل تجريدي. لكنني غادرتُ وأنا أحمل شيئاً أكثر شخصية بكثير: حزناً على إفريقيا التي نفقدها، وامتناناً للشظايا التي ما تزال منها حية.
في أرض داودا جوارا، لم ألتقِ بالحنين، بل بالاستمرارية.
تذكير بأن إفريقيا ليست مجرد جغرافيا سياسية، إنها أيضاً إمكانية أخلاقية.
وللحظة قصيرة في غامبيا، وأنا أمشي في شوارعها، وأستمع إلى ناسها، وأتنفس كرامتها الهادئة، تذكرتُ كيف يبدو الأمر حين يؤمن الإنسان بهذه الإمكانية من جديد.
بقلم: عابدة محمد بوزيد
كاتبة ودبلوماسية صحراوية









