إن الواجب الوطني لا ينبغي أن يُقاس بكون الإنسان من الأغلبية أو من المعارضة، لأن الأوطان لا تُبنى بالتصنيفات السياسية الضيقة، وإنما تُبنى بصدق الانتماء والإخلاص للشعب. فالمعارضة ليست خيانة، والموالاة ليست صك براءة، وإنما المعيار الحقيقي هو: هل يخدم هذا الخطاب وحدة الوطن أم يمهد لتمزيقه؟ وهل يسهم في بناء العدالة أم في صناعة الأحقاد؟
لقد تعلمنا أن أسمى درجات الاختلاف هي أن نقول: “أخالفك الرأي، لكنني أبذل حياتي من أجلك”، لأن الوطن يتسع للجميع، ولأن التنافس الشريف يجب أن يكون حول طرق إنقاذ البلاد وخدمة المواطن، لا حول استدعاء الهويات وتحويل المكونات الاجتماعية إلى أدوات تعبئة سياسية.
ومن هذا المنطلق، فإن الكذب وتحريف الحقائق يبقيان من أكثر الممارسات السياسية مقتًا، فإذا تحول ذلك إلى وسيلة لبث الفرقة بين أبناء الشعب الواحد صار الأمر جريمة أخلاقية ووطنية. ولهذا فإن ما صدر عن جميل منصور، حين تحدث عن “أغلبية ديموغرافية مظلومة”، ليس مجرد زلة خطابية عابرة، بل خطاب يحمل في داخله بذور فرز المجتمع وإعادة تقسيمه نفسيًا وسياسيًا.
والأخطر أن هذا الخطاب يصدر عن رجل خبر تجربة الإسلام السياسي وتشبع بأدبياته، تلك الأدبيات التي قامت في كثير من تجارب المنطقة على إضعاف الدولة الوطنية لصالح الولاءات الضيقة. ولذلك بدا حديثه وكأنه محاولة لمغازلة مكون “لحراطين” واستغبائه سياسيًا، لا بحثًا عن العدالة الحقيقية، بل توظيفًا لمعاناته التاريخية في لعبة التموضع السياسي والبحث عن النفوذ.
فمظالم آثار الرق قضية حقيقية لا ينكرها إلا مكابر، لكنها لا تُعالج بخطابات التحريض ولا بإيهام الناس أن الوطن منقسم بين “أغلبية مضطهدة” و”أقلية مستفيدة”، وإنما تُعالج بالتعليم العادل، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وبناء دولة قانون يشعر فيها الجميع بالمواطنة الكاملة.
أما الحديث عن الوحدة الوطنية، فلا يمكن أن يكون مجرد شعار رسمي يُرفع في المناسبات بينما يستمر تدوير الفساد وإعادة إنتاج نفس المنظومة التي أوصلت البلاد إلى هذا الوضع. فالرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني، إما أنه مغلوب على أمره داخل شبكة المصالح التي تتحكم في القرار، وإما أن خطاب الإصلاح نفسه تحول إلى مجرد غطاء سياسي لترك المفسدين يواصلون نهب الثروة الوطنية في هدوء.
فالإبقاء على نفس الوجوه، وتدوير نفس الأدوات، وحماية شبكات الفساد، ليس إصلاحًا، بل استمرار لنفس النهج الذي تأسس منذ عقود. غير أن الفرق اليوم أن البلاد لم تعد فقيرة كما كانت، فقد ظهرت ثروات الذهب والغاز، وارتفعت تطلعات المواطنين، وأصبح الناس ينتظرون دولة عدل وإنصاف، لا مجرد إعادة توزيع النفوذ بين المجموعات المتحكمة.
لقد بدا واضحًا أن السلطة عملت على تلويث المجال العام وإغراق الجميع في حسابات المصالح والصفقات، حتى يصبح الفساد أمرًا عاديًا، وحتى يجد الناهبون مناخًا مريحًا يواصلون فيه العبث بثروات البلد دون مقاومة حقيقية.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لموريتانيا هو أن ينشغل شعبها بصراعات الهوية بينما تُنهب ثرواته أمام عينيه. ولذلك فإن أعظم خدمة يمكن أن يقدمها الموريتانيون لوطنهم اليوم هي أن يتوحدوا ضد الظلم والفساد والاستغلال، لا أن يتحولوا إلى قبائل سياسية متناحرة.
فهذا الشعب، بكل مكوناته العربية والإفريقية، الحسانية والبولارية والسوننكية والولفية، لا يحتاج إلى من يزرع الشك بين أبنائه، بل يحتاج إلى مشروع عدالة حقيقي يعترف بالمظالم دون أن يحولها إلى وقود للكراهية، ويبني المستقبل على المؤاخاة والمساواة وسيادة القانون.
حمادي سيدي محمد آباتي





