
تُعد الزغرودة في الثقافة الموريتانية والعربية تعبيرا عن الفرح والفخر، وتُطلق في الأعراس والمناسبات السعيدة كعلامة للبهجة والاحتفال. ولكن ماذا يحدث عندما تنتقل هذه العادة الشعبية إلى سياق دبلوماسي أمام قادة الدول؟
في قمة الاتحاد الإفريقي الأخيرة، وبعد انتهاء الرئيس الموريتاني من كلمته، فاجأت سفيرة موريتانيا في أديس أبابا الحضور بزغرودة مدوية أمام قادة الدول والوفود الدبلوماسية. ورغم أن هذا التصرف قد يُعتبر في السياقات الشعبية تعبيرا عن الفخر، إلا أن المشهد أثار دهشة واضحة على وجوه العديد من الحاضرين، الذين بدا عليهم الاستغراب من عدم التزام هذه الحادثة بالمعايير الدبلوماسية المتبعة في مثل هذه المناسبات الرسمية.
كان من الممكن أن يفهّم الموقف باعتباره خروجا لائقا عن الأعراف الدبلوماسية لو أن القمة شهدت اختراقا تاريخيا يُعد إنجازا للدبلوماسية الموريتانية التي كانت تتولى رئاسة الاتحاد الإفريقي. كأن يتم التوصل إلى اتفاق بين الفرقاء في مالي يمنح إقليم أزواد حكما ذاتيا، مع التزام الأزواديين المعروفين بشجاعتهم وقوة شكيمتهم بطرد التطرف من شمال مالي -وهم قادرون على ذلك- في خطوة تُعد انتصارا ليس فقط لموريتانيا، بل للعالم بأسره في مكافحة الإرهاب واستعادة الأمن في منطقة الساحل. أو لو كان الموضوع متعلقا بإنهاء الصراع الليبي بشكل نهائي عبر وساطة موريتانية ناجحة.
لكن في ظل غياب أي إنجاز دبلوماسي استثنائي، فإن تصرف السفيرة جاء في غير سياقه الطبيعي. ولا يمكن فهمه إلا في الزاوية المألوفة محليا، المتعلقة بتقرب المسؤولين من رؤساء البلاد، مما يوحي بأن الأمر لم يكن عفويا تماما، بل ربما كان معدا له مسبقا. غير أن ما لم يوضع في الحسبان هو أن هذا التصرف سيسيء بشكل كبير لصورة الدبلوماسية الموريتانية.
هل كانت معاليها، تدرك قبل إقدامها على فعلتها أن تصرفها أمام الكاميرات سيعاد بثه في الإعلام التقليدي والرقمي -العربي والعالمي- مما قد يثير تفاعلات ساخرة تؤثر سلبا على صورة الدبلوماسية الموريتانية في الأوساط الدولية؟
فمثل هذه اللحظات التي تخرج عن إطار الاحترافية يمكن أن تتحول بسهولة إلى مادة للسخرية في البرامج التحليلية والمقالات الصحفية، مما يزيد من تبعات الحادثة ويضاعف تأثيرها ويمكن أن يضر بصورة القيادة الموريتانية داخليا وخارجيا.
ولكن كيف ستكون ردة فعل وزارة الخارجية ورئاسة الجمهورية حيال هذه الحادثة؟ هل سيتم التعامل مع التصرف على أنه أمر عابر لا يستدعي أي اهتمام رسمي؟ أم أن الحادثة ستدفع الجهات المعنية إلى إعادة النظر في معايير اختيار ممثلي الدولة وتوجيههم نحو الالتزام الصارم بالبروتوكولات الدولية؟ وهل سيبقى التملّق السياسي سلوكا مقبولًا في الأوساط الرسمية، حتى حين يكون على حساب صورة الدولة في المحافل الدولية؟
تحياتي



