لا أريد في هذه السطور أن أعبر عن موقف من التجاذبات والأطروحات المتداولة هذه الأيام حول هذا الموضوع.
سأكتفي بإبداء ملاحظات تكتسي طابعاً فكرياً أكثر من الطابع السياسي، وإن كان مضمونها هو مرجعية مواقفي المعروفة.
أولاً: إن نفي وجود الممارسات الاسترقاقية في ماضي كل مكونات الشعب الموريتاني ووجود مخلفاتها في الحاضر لا يمت إلى الواقعية بصلة، وليست ثمة جهة معروفة تجزم بنفي الرق في الماضي ومخلفاته في الحاضر.
ثانياً: عندما يتم الحديث عن مخلفات الرق في الحاضر، فهذا لا يعني نفي أنه ما زالت توجد حالات استرقاق؛ لأن الحديث عن المخلفات يدل ويعني أن الظاهرة في تحول، والتحول الاجتماعي لا يتم بالطفرة، بل في إطار مسار يتحدد بعوامل عديدة: اقتصادية، واجتماعية، وثقافية توعوية، وبيئية.
ثالثاً: إن تفيئة وشرحنة القضية لا تفيد في معالجتها الناجعة، خاصة أنها لا تركز على البعد الجوهري والبنيوي للإشكالية، الذي هو بالأساس البعد الاقتصادي والاجتماعي. فتناولها من الزاوية الشرائحية يعني تفرد قلة قليلة بها، خلافاً لطرحها كقضية وطنية لا يمكن أن تُحل إلا في إطار مقاربة وطنية وتنموية شاملة، كما طُرحت تاريخياً بعد الاستقلال كجزء من الوعي الوطني الساعي إلى تحرير البلاد من بقايا الاستعمار من جهة، وإشاعة العدل والمساواة في المجتمع من جهة أخرى.
رابعاً: أما اعتبار أن شريحة لحراطين تشكل مكوناً، فهي فعلاً مكون من العرب الموريتانيين (البيظان)، وإذا لم يكن الأمر كذلك، فما هي خصوصيات هذا المكون غير هوية وثقافة ولغة العرب الموريتانيين؟ ونحن نعرف أن الانتماء لا يتحدد بالعرق بقدر ما يتحدد بالمقاييس الثقافية والحضارية التي تتمثلها المجموعات والأفراد، وقد تنسحب على أعراق مختلفة. ولعل القول بمكون لحراطين يطوي ضمنياً في ثناياه إرادة المطالبة بالمحاصصة، بحيث تصبح الدولة ومزاياها كعكة تتقاسمها -إلى جانب ذلك المكون- أعراق وشرائح بعينها على حساب التنمية والمواطنة ودولة القانون، التي في ظلها يبقى معيار الكفاءة -التي باتت متواجدة البارزة في كل شرائح وأعراق المجتمع- هو الأساس، والتي فعلاً ينبغي أن تُعامل بالإنصاف والعدل والمساواة.
خامساً: إن مثل هذه المقاربة القائمة على المحاصصة لا تكرس منطق التقسيم داخل المجتمع فحسب، وإنما تنتهي كذلك بتقسيم المطالبين بها؛ إذ إنهم يتنافسون على زعامة هذا الطرح، وبالتالي على جني ثماره من الامتيازات التي يعملون على استدرارها.
وعليه، يبقى البعد الاقتصادي والاجتماعي والإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والتوعوية المنصبة عليه هي التي من شأنها أن تغير من واقع شريحة لحراطين، دون معالجات تختزل الإشكالية في ما ستجنيه قلة من المتعلمين وأشباههم من امتيازات بواسطة التمثيل في دوائر الدولة ومؤسساتها -ولهم الحق في ذلك- لكن لا ينبغي أن يتم على حساب الجانب الرئيسي من الإشكال الذي يمس الغالبية العظمى من ضحايا العبودية ومخلفاتها في إطار مقاربة وطنية وتنموية شاملة.




