sliderالمبتدأ

من قلب الميدان.. رسالة من موريتاني يعمل في مجال جلب الاستثمارات:

بقلم: محمد محمود سيدى بوى مؤسس بوابة الاستثمار فى موريتانيا

أنا لا أكتب اليوم من موقع المتفرج، بل من خندق التجربة، ومن عمق المواجهة اليومية مع واقع مشوّه يُفرغ الاستثمار من مضمونه، ويحوّله من رافعة تنمية إلى بوابة للنهب والفساد، ومن فرصة للنهوض إلى وسيلة لبيع مقدرات البلد بأبخس الأثمان.
أعمل منذ سنوات في مجال جلب الاستثمارات، وأعرف جيدًا أن موريتانيا ليست بلدًا فقيرًا في الإمكانيات، لكنها تُحكم بمنظومة فقيرة في الفكر، ضعيفة في الرؤية، عاجزة عن استيعاب المفهوم الحقيقي للاستثمار.
ما نعانيه ليس نقصًا في الاهتمام الدولي أو غياب الفرص، بل هو نتيجة مباشرة لتحكّم طبقة متنفذة لا ترى في المستثمر إلا صرافًا خاصًا، ولا في المشاريع إلا حظوة خاصة، تضيق على من يعمل بشرف، وتفتح الأبواب على مصراعيها لمن يساير الفساد ويغذيه.
تعرضت، كما تعرض كثيرون قبلي، للمضايقات، للعراقيل المفتعلة، للبيروقراطية العقيمة، للابتزاز المقنع وغير المقنع، فقط لأنني اخترت أن أمارس دوري بشفافية وضمير، دون أن أبيع أو أساوم أو أتحايل.
لكن المؤلم هو أن بعض المسؤولين، ممن يُفترض أن يمثلوا الدولة ومصالحها، يتعاملون مع المستثمرين بعقلية المقاول الجشع أو الموظف الوسيط، لا بعقلية الشريك في بناء وطن.
هؤلاء هم من يُنفر المستثمر، يُعقد الإجراءات، يزرع الألغام، ويزرع اليأس في النفوس.

والأخطر من هذا كله: أن هذه الفوضى ليست عفوية، بل ممنهجة، يقودها من لا يملكون لا رؤية ولا مشروع، ولا حتى انتماء حقيقي لهذا الوطن.
وإذا كنا نطمح إلى تنمية حقيقية، فعلينا أن نواجه الحقيقة كما هي: لا استثمار جاد دون إصلاح إداري جذري، ولا إصلاح دون اجتثاث منظومة الفساد التي تحتكر القرار وتمتص الفرص.
إن ما جرى مع المستثمرين الأجانب مؤخرًا، كما هو الحال مع شركة “نيوفار”، ليس استثناءً، بل نموذجًا لما يواجهه كل مشروع جاد في هذا البلد إذا لم يكن جزءًا من شبكة الفساد.
والدليل الأكبر هو أن كل من يرفض الرضوخ للممارسات المشينة يجد نفسه خارج اللعبة.
هذا البلد لا ينقصه المال، بل ينقصه رجال دولة يؤمنون بأن الاستثمار ليس فقط أرقامًا وتقارير، بل هو قرار سيادي، ومسؤولية أخلاقية، وشراكة بين الدولة ومصالح شعبها.

لن نبني موريتانيا بالسكوت عن الفساد، ولا بتمجيد الفاشلين، ولا بتلميع المسؤولين الذين لا يفهمون من التنمية سوى أرصدتهم الشخصية.
لقد آن الأوان لإعادة تعريف الاستثمار في موريتانيا بأنه :
• هو جلب الثقة قبل الأموال،
• هو بناء شراكات لا بناء علاقات تبعية،
• هو تحرير الاقتصاد من قبضة العجز والفساد،
• هو أن نجعل من الدولة حامية للمصالح لا وسيطًا للبيع.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى