sliderالمبتدأ

العابرون بلا بوابة: مدٌّ سنغاليّ صامت على أرض السيبة!

عبد الله ولد الحيمر

 

تبدو حدود الوطن اليوم وكأنها ورقٌ مبلل في مهبّ رياح السياسة، تتآكل دون صخب، وتنكشف دون مقاومة. وبينما تترنّح السينغال تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة، يتسع الفتق على الراتق، فتمتد الأيادي لطلب المعونة من الشرق، من موريتانيا، من البلد الذي لطالما دفع ضريبة الجيرة مرتين: مرة باسم الإخاء، وأخرى باسم الغفلة.

نحن لا نعارض مساعدة الجيران حين تكون من باب الإنسانية المتزنة، ولا نمانع التبادل حين يكون على قاعدة الندية والاحترام المتبادل، لكن ما يحدث اليوم ليس تبادل مصالح، بل انسيابٌ بشريّ غير مسبوق، قد يتحول غدًا إلى تغيير ديموغرافي يكتب مستقبل هذا البلد بقلمٍ آخر، وبأسماء أخرى.

بأي منطق تُفتح الحدود على مصراعيها بلا تفتيش، بلا قيود، بلا دراسة آثار؟
أيعقل أن تُمنح الإقامات كما توزّع أوراق النعمة؟ أيعقل أن تُعطى الجنسيات كما تُعطى الإكراميات في المواسم السياسية؟
هل أصبح الوطن مطيّة لكل من يريد الهروب من فقره، دون أن نعلم ماذا سيحمل إلينا معه؟ هل سننتظر حتى يتفشى التهريب والممنوعات في الأسواق، وتُزاحم العمالة الوطنية في أرزاقها، وتُنهك المنظومة الصحية والتعليمية، ثم نبدأ في التباكي على ما فات؟

لقد جرّبنا هذا الانفتاح غير المشروط في نهاية الثمانينات، وكان الثمن دمًا ونارًا وشتاتًا.
واليوم تُعاد نفس الخطة، لكن بطريقة أكثر نعومة، وبشعارات اقتصادية وإنسانية لا تُقنع حتى من يروجها.

السينغالي اليوم يدخل دون تأشيرة، دون تعقيدات، يحجز مقعده في السوق، ويستأجر غرفة في الأحياء الشعبية، وغدًا يُطالب بحق الانتخاب، وبعد غدٍ… بحق التمثيل!

نحن لسنا ضد الإنسان، لكننا ضد الذوبان.

لسنا ضد التعاون، بل ضد التحوّل إلى ظِلّ دولة أخرى.

لسنا ضد الجار، بل ضد أن يكون الجار هو الذي يقرر من يبيت عندنا، ومن يأكل من خيراتنا، ومن يسكن قلوب مدننا أكثر منّا.

أيها السادة في مراكز القرار:
لا تبيعوا الأرض من حيث لا تشعرون.
المدّ لا يبدأ عاصفًا، بل يتسلل قطرة قطرة… حتى إذا امتلأت الأرض، لم يعد هناك مكان للندم.

فهل من مدّكر؟
هل من نخبة تستفيق؟
هل من صرخة توقظ هذا الوطن من سباته الاختياري؟

نخشى أن نُوقن ذات صباح أن ما كنا نحذّر منه صار هو الواقع، وأننا بتوقيعنا الهادئ، قد سلّمنا مفاتيح البيت… لمن لا نعرف متى يخرج.
مصداقا لقوله تعالى: “قَالَ يَٰقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍۢ مِّن رَّبِّى وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَىٰكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا ٱلْإِصْلَٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِىٓ إِلَّا بِٱللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ”

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى