في كل لحظة يتقدم فيها العالم بخطى متسارعة نحو بناء دول قائمة على المؤسسات والعدالة والشفافية، تظل موريتانيا تدور في حلقة مفرغة من الأزمات البنيوية العميقة، التي لا تنفع معها المسكنات ولا المجاملات. لقد أصبح من الواضح أن البلد في حاجة إلى ما هو أبعد من التعديلات الشكلية والتغييرات الظرفية، بل هو في أمسّ الحاجة إلى ثورة نفسية، ثورة على الذات وعلى منظومة القيم والعقليات المتكلسة التي أعاقت نهوضه لعقود.
أزمة عقلية لا أزمة إمكانيات
موريتانيا ليست فقيرة من حيث الإمكانيات؛ فهي غنية بثرواتها الطبيعية، وبتنوعها الثقافي والجغرافي، لكنها تعاني من فقر مدقع في الرؤية والبوصلة القيادية. التهديدات لم تعد مؤجلة، بل أصبحت تمسّ صميم الأمن الاستراتيجي للبلد: غذاؤه غير مؤمّن، صحته متهالكة، حدوده رخوة، والتعليم فيه أداة تجهيل لا تحرر.
إن التحدي الأول يتمثل في التخلص من عقلية القطيع التي كرّستها الأنظمة المتعاقبة، حيث يتم التعامل مع الشعب ككتلة طيعة يُعاد تشكيلها على هوى السلطة. يتغير رأس النظام لكن الجوهر يظل واحدًا: الإقصاء، التوريث، وتقديس الجهة على حساب الكفاءة.
من شرعية القبيلة إلى شرعية القانون
لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي دون انتقال واعٍ من الشرعية التقليدية إلى الشرعية الدستورية. فموريتانيا لا تزال محكومة بمنطق الولاءات الضيقة: القبيلة، الجهة، أو الحظوة التاريخية لبعض العائلات. بينما المطلوب هو إعادة تعريف السلطة على أساس مدني، عقلاني، ومؤسساتي، حيث لا يكون تسيير الشأن العام حكرًا على أبناء من خدموا المستعمر أو تربّوا في كنفه.
حين يُصبح الصمت خيانة
ما تحتاجه البلاد اليوم أكثر من أي وقت مضى هو رجال شجعان، يملكون الجرأة على فضح الواقع، ورفض القيود التي كبّلت طاقات الشعب. لا بد من صحوة نخبوية تُعيد تعريف دور المثقف والسياسي والإعلامي كصوت ضمير، لا كشريك في الصمت أو متواطئ في تزيين القبح.
وفي المقابل، فإن على الشعب أن يعي أن التغيير لا يُمنح بل يُنتزع، وأن الضغط الشعبي هو الأداة الأقوى لدفع النظام إلى مراجعة نفسه والتخلي عن احتكاره للقرار، واحتقاره للكفاءات التي لم تولد في “البطون السياسية” المعروفة.
خلاصة القول
موريتانيا لا تحتاج إلى ثورة ضد الدولة، بل إلى ثورة داخل المجتمع وعقله، ثورة على العادات التي عطلت التقدم، وعلى الصمت الذي يغذي الفساد، وعلى الولاء الأعمى الذي يُبقي الجلاد في منصبه والضحية بلا صوت. إنها ثورة تبدأ من الوعي وتنتهي ببناء دولة يطمئن فيها المواطن على خبزه، وعلى صحته، وعلى كرامته، ويعلم أنه شريك في الأرض والثروة والقرار، لا مجرد تابع في قطيع كبير.





