لا أحد يستطيع أن يؤمن بناءا على العلم أو بناء على الجهل. و لا بناء عليهما معا. غير أن الإيمان ممكن في غنى عنهما. وذلك خلافا للتعبد الذي لا يصلح إلا بهما، فالعبادة طاعة أو تقليد قربانا. امتثالا أو امتناعا عن معرفة كلية أو جزئية. وبديهيي أن العلم والجهل أجزاء من الكون، حيث لا يسعهما الإحاطة بالكون ولا بما هو محيط بالكون. وذلك هو الله.
ولا ينبثق الإيمان بالنسبة لي إلا عن ثلاثة أشياء، فمن أوحي إليه فقد آمن يقينا. لا ينقطع إيمانه. وهذا إيمان الأنبياء والمتصوفين على مر الدهور. وفي كل الأديان. ولذلك طالب من عاصروا الأنبياء بالمعجزات، دليلا.
ومن أحب ولج الإيمان إلى قلبه ولوجا. ويتعاظم الإيمان أو يندثر أو يتراوح بينهما. ولا دليل على إيمان المحبة إلا الحب ذاته. لذلك فالمحب عاجز عن اقناع غيره، ما لم يكن الآخر محبا مثله. فالمحب بلا معجزة خلافا للنبي. وأعتقد أن السحر مرتبط نشأة بادعاء النبوة واللجوء للحيلة والخرافة ولما هو عجيب أو خارق. وإيمان المحبة هو إيمان أهل المعرفة والسلطة ومن وسع الله لهم في الأموال والعقول، وهو بالنسبة لي إيمان شكر.
ثم يأتي الإيمان عن طريق الخوف، لأن الخوف يتفوق على غيره، حيث أنه يكون من ما هو في الكون ومن ما هو خارجه. وقد يكون الخوف من موجود أو من مفقود أو من محيط، وذلك هو الله.
ويكون الخوف أحيانا من العدم. لذلك فهو سبيل غير الأنبياء وغير أهل المحبة إلى الإيمان. ولا أتصور إيمانا بالتصنع ولا بالشك ولا بالتشبه. لأن الإيمان فعل قلبي. ولا يطلع قلب على ما في قلب آخر . لذلك فلا أتصور صحة التشبه بغير معروف لدى الإنسان. إلا أن يكون وهما أو خيالا، والخيال ليس إيمانا لأنه داخل الكون ويصدر عن جزء من جزء، أي أنه يصدر من العقل. وليس العقل موطنا للإيمان. أما الوهم فهو نقيض الإيمان وليس ضلالة ولا رفضا ولا استعلاءا ولذلك لا يتوهم أحد إلها.
وإيمان الخوف كارثة، لأنه يزول بمجرد الأمان أو النسيان. ولا يمكن للإنسان أن يتخلص من النسيان. وهذا الإيمان هو غالب إيمان أهل الأرض. ولا يقين لخائف ولهذا تقلص تأثير الأديان على البشر. في مر العصور.
ولا يمكن اعتبار العبادة وحدها إيمانا، لأن العبادة فعل متكرر ومتعدد يتجزأ. خلافا للإيمان لأنه فعل لا يتكرر ولا يتجزأ وله موطن واحد هو القلب. يقوى فيه وفيه يضعف أو ينهار.
وخائب من ظن أن الإيمان سبب في الرزق .ولا أقصد الاستغفار ولا الصدقات فهذه من العبادات، وبقي أن أذكر إيمان الطمع. وهو إيمان يتسلل إلى قلب صاحبه إذا ضاق عليه الرزق أو إذا اتسع له، فمن ضاق رزقه ولجأ للإيمان فقد فتح الطمع قلبه. ومن اتسع عليه الرزق فاهتدى للإيمان حفاظا على النعمة فقد فتح الجشع قلبه. ولهذا، فالإيمان قريب من التجارة بين الكون والغيب، ولذلك فبعض الإيمان تهريب، يقع في قلب الإنسان بحسب الحاجة. ويختفي بغيابها.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد
…
جبريل جالو… فلاني غادي بكرو
باريس- رمضان 2024






