sliderالمبتدأ

الغرب والتقطيع وإعادة الرسم: قراءة تاريخية-جيوسياسية مع ملاحظة نقدية حول اعتراف القوى الأوروبية بفلسطين

الملخّص

تُظهر الوثائق التاريخية والسياسات المعاصرة أن خرائط الشرق الأوسط الحالية ليست نتاج تطوّرٍ داخليٍ طبيعي، بل ثمرة سياساتٍ استعماريّةٍ ومصالحٍ دوليةٍ أعادت تقسيم الفضاء العربي منذ أوائل القرن العشرين. تلك السياسة لم تكتفِ بتفكيك البنى السياسية والاجتماعية التقليدية، بل صممت آليات استمرار نفوذ خارجي عبر شبكات زعماء موالين، أُعيد تصنيعها داخلياً وامتدت آثارها حتى اليوم. مع ظهور مؤشرات اعترافات دبلوماسية حديثة بالدولة الفلسطينية من بعض عواصم غربية، أطرح هنا قراءة نقدية تفترض أن جزءاً من هذه التحركات قد يكون ذا طابع رمزي أو استراتيجي يخدم أهدافاً أوسع (سياسية أو تكتيكية) للغرب، ولا يضمن بالضرورة تغييراً جوهريّاً في موازين القوة على الأرض.

1. جذور التقسيم: سايكس–بيكو والبنية الرأسمالية للخرائط

التحليل التاريخي يبيّن أن لحظة السايكس–بيكو كانت محطة فاصلة: وثائق الاتفاق تُظهر بوضوح أن بريطانيا وفرنسا صيغتا مناطق نفوذ ومنافع اقتصادية وسياسية على أسسٍ لا علاقة لها بتوازنات المجتمع العربي التقليدي، وإنما بخدمة مصالح القوى الاستعمارية (تحديد مناطق (a) و(b) وتوزيع أولويات “الريادة” والموارد). هذا التقطيع لم يكن عشوائياً بل استراتيجيّاً لتفتيت الوحدة التاريخية وتقليل قدرة الشعوب على التماسك السياسي.

2. وعد بلفور وبدايات “شرعنة” مشروع قومي آخر

في الوقت نفسه، جاء وعد بلفور (1917) ليضع أساساً سياسياً لإقامة “وطن قومي لليهود” داخل فلسطين، مع وعود نظرية بحماية الحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود. الممارسة السياسية التي تبعتها الإدارة البريطانية في فلسطين حالت عملياً دون قيام قيادة وطنية فلسطينية قادرة على تشكيل دولة مستقلة قبل ولادة الكيان الإسرائيلي، وبذلك تتقاطع مسؤولية القِوى الاستعمارية مع تطوّر المشروع الصهيوني.

3. استمرارية أدوات التقسيم: من الخرائط إلى الشبكات المحلية

التقسيم لم يتوقف عند الخطوط الجغرافية؛ إذ طوّع المستعمرون والعاملون معهم آليات حكم عبر تمكين أسرٍ وقيادات محلية موالية، وتسييس الزعامات التقليدية والحديثة لخدمة استقرار نفوذ خارجي. في حالة بلدان المغرب العربي وغرب أفريقيا، توثّق الدراسات والوقائع الاستعمارية لسياسات “الاختراق الهادئ” (pacification/penetration) التي استُخدمت لتثبيت نفوذ فرنسا عبر حلفاء محليين ومؤسسات ظلّية. هذا النمط يعكس كيفية تحويل السلطة إلى شبكة مصالح خارجيّة-محليّة تبطئ أو تمنع استقلالية القرار الوطني.

4. إعادة الرسم المعاصرة: أمكنة جديدة واستراتيجيات مختلفة

المشهد العالمي المعاصر يظهر محاولاتٍ مستمرة لإعادة هندسة التحالفات والحدود السياسية — ليس فقط عبر اتفاقات رسمية وإنما عبر مبادرات دبلوماسية وسياسات “الشرعية” الرمزية (recognition) و”الضمّ” الفعلي عبر الاستيطان أو النفوذ الاقتصادي. خططٌ ومبادرات مثل “صفقة القرن” (2020) تُظهِر بوضوح رغبة أطرافٍ دولية في إعادة ترتيب قواعد الحلّ السياسي بما يخدم مصالحها. في هذا الإطار، قد تستخدم دول خارجية اعترافات رمزية أو مواقف دبلوماسية كأدوات ضغط أو كجزء من لعبة تفاوضية أكبر.

5. قراءة نقدية للاعتراف الغربي بالدولة الفلسطينية: رمز أم تغيير حقيقي؟

في أواخر 2025 شهدنا خطوات دبلوماسية من دول غربية (بما في ذلك إعلان رسمي بخصوص المملكة المتحدة وفرنسا) اعتبرتها بعض الأطراف خطوة نوعيةً باتجاه دولة فلسطينية مستقلة؛ لكن تحليل السياق يفرض الحذر:

1. الاعتراف الدبلوماسي لا يساوي الحكم الميداني: حتى لو اعترفت دولٌ عديدة بالدولة الفلسطينية، فإن السيطرة الفعلية على الأرض (غزة والضفة والقدس) وحق تقرير المصير يتأثر بعسكريّة ووجود وحقائق احتلالية لا تزول بمجرد بيان اعتراف. التقارير التحليلية الحديثة تشير إلى أن عدد الدول المعترفة كبير، لكن هذه الاعترافات لا تقضي تلقائياً على آليات السيطرة الفعلية.

2. الدافع السياسي: حماية حلّ الدولتين أم مناورة دبلوماسية؟ بعض قراءات الأحداث ترى أن اعترافات كهذه قد تندرج ضمن محاولة دولية لإعادة فرض إطار تفاوضي أو لإعادة توزيع الضغوط السياسية على لاعب كبير (إسرائيل) بينما تفتح أبواباً لمناورات مستقبلية (ضبط ساعات التفاوض، خلق شروط إقليمية جديدة). ردود الفعل الإسرائيلية والسياسية الدولية على هذه الاعترافات تؤكد أن الموضوع له أبعاد تكتيكية وسياسية معقدة.

3. الشكّ المنطقي: من المنطقي أن يُشكّ المرء في أن اعترافات متأخرة أو مشروطة قد تكون جزءاً من لعبة دبلوماسية تحول دون التطورات الميدانية أو تُستخدم كورقة تفاوض. لذلك لا يكفي احتفال إعلاميّ؛ بل يلزم رصد التبعات العملية (سحب أو تحويل الدعم العسكري، فتح قنوات دبلوماسية رسمية، إمكانية تطبيق قرارات دولية على أرض الواقع).

6. حالة موريتانيا: نموذج محلي لآليات النفوذ والتشبيك

الخبرة الميدانية في موريتانيا تكشف كيف أن الاحتلال الاستعماري (الفرنسي) استخدم سياسات “تحالف النخب” والتمكين الانتقائي لأسر وزعامات محلية لتأمين النفوذ والتحكم في الموارد الإدارية والثقافية؛ وهو ما ترك أثره في بنية الحكم والولاءات بعد الاستقلال، مع ظاهرة شبكة عملاء وامتيازات مستمرة تُقلّص الفعل الشعبي والقدرة على التغيير الديمقراطي المستقل. هذا ينسجم مع الصورة العامة لآليات النفوذ الخارجي المبنيّة عبر الزمن.

7. مسائل منهجية وسياسية للمطالَب بها الآن

لأنّ الاعترافات الدبلوماسية وحدها لا تُنقِذ حقّاً، أقترح مطالب عملية موجهة للشعوب والحكومات العربية:

1. مطالبة بإجراءات ملموسة: فتح خطوط دبلوماسية رسمية، ضمان وصول مساعدات إنسانية تحت إشراف دولي موثوق، وتحويل الاعتراف إلى خطوات ملموسة (مثل اعتراف أمني، دبلوماسي، وحقوقي).

2. مراجعة علاقات النخب: تشخيص شبكات النفوذ المحلية (الأسر والزبائن) ومساءلة منظومات الرعاية الإدارية والرواتب التي تبقي ولاءات خارجية قائمة.

3. الوعي الشعبي كأداة ضغط: تجربة الانتفاضات الأوروبية الأخيرة ضد سياسات حكوماتها بشأن فلسطين تُظهر أن ضغط الشارع يمكن أن يجبر سياسات رسميّة على التراجع أو المراجعة. استثمار ذلك ضمن استراتيجية عربية موحّدة قد يفوق أي اعتراف رمزي.

خاتمة: بين التاريخ والراهنيّة — لا نكتفي بالاحتفال، نطالب بالتنفيذ

إنّ قراءة التاريخ (سايكس–بيكو، وعد بلفور، تكوين أنظمة واحزاب زبائنية) تفرض علىنا أن نميز بين الرمز والواقع. الاعترافات الأوروبية الحديثة يمكن أن تكون بداية مهمة إذا صاحبتها إجراءات عملية واضحة، لكن من المجرَّب أن لا نثق بمجرد إعلاناتٍ دبلوماسيةٍ ما لم تُترجم إلى تغيير ميداني ومستدام. لذلك على الشعوب والحكومات العربية أن تضع هذه الخطوات تحت رقابة نقدية، وأن تطالب بمؤشرات قياس واضحة: سيادة فعلية، نفاذ الحقوق الأساسية، قدرة على فرض اتفاقيات دولية، وضمان حماية دولية فعّالة لمقوّمات الدولة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى