sliderالمبتدأ

النخبة بين المفهوم والاختلال: أزمة المصطلح وأزمة الوعي في المجتمعات البظانية

بقلم: حمادي سيدي محمد آباتي

حين يفقد المتعلم ضميره… وتفقد الشهادة معناها

> ليست النخبة من تحمالشهادات، بل من تحمل همّ الوطن وتُجيد الإصغاء لضمير الأمة.

من أكثر المفاهيم التي أُسيء استعمالها في المجال العربي والإفريقي عمومًا، والموريتاني خصوصًا، مفهوم “النخبة”.
فقد تحوّل هذا المصطلح من دلالته الفكرية والأخلاقية إلى رتبة اجتماعية أو بيروقراطية، حتى أصبح يُطلق على كل من نال شهادة أو جلس على كرسي رسمي، ولو كان خالي الوفاض من الحسّ الوطني والمسؤولية الأخلاقية.

أولاً: أصل المفهوم ومعناه

في الفكر الاجتماعي، تعود فكرة “النخبة” إلى مفكرين أمثال فيلفريدو باريتو وغايتانو موسكا ورايت ميلز، الذين رأوا أن النخبة هي الفئة التي تمتلك قدرات فكرية أو تنظيمية أو رمزية تجعلها قادرة على قيادة المجتمع أخلاقيًا وفكريًا.
فـ”النخبة” إذًا ليست مجرد طبقة متعلمة، بل ضمير الأمة وذاكرتها النقدية.
هي فئة تتقدّم بالوعي لا بالمصلحة، وتُوجّه المجتمع نحو الإصلاح لا نحو التموقع.

أما في استعمالنا المحلي، فقد تم اختزال النخبة في حاملي الدبلومات والشهادات، حتى وإن لم يُسهموا في مشروع وطني واحد. وكأن الورق الأكاديمي صار بديلاً عن الوعي، والشهادة بديلاً عن الإحساس بالمسؤولية.

ثانيًا: بين النخبة والدبلوما

ليس كل من حاز شهادة نخبة، كما أن ليس كل من لم يتعلم خارجها.
النخبة تُقاس بما تقدمه لا بما تملكه. فقد عرف التاريخ نخبًا أمّية لكنها حملت وعيًا رسوليًا، وعرف كذلك خريجي جامعات كبرى لم يضيفوا إلى بلدانهم سوى مزيد من الغفلة والفساد.

النخبة الحقيقية هي من تمتلك ضميرًا يقظًا وشعورًا بالواجب واستعدادًا للتضحية من أجل الحقيقة والمصلحة العامة.
أما أولئك الذين تزيّنوا بالشهادات ثم فقدوا الحسّ الإنساني والوطني، فهم أبالسة بشرية، لأنهم يعرفون ما يفعلون، ويستخدمون علمهم لا لخدمة المجتمع، بل لاستنزافه وتضليله.

ثالثًا: النخبة والسلطة — حين يصعد الإقطاع باسم الكفاءة

حين يتربع إقطاعي أو أرستقراطي على كرسي الوظيفة العامة، ويحوّل المنصب إلى غنيمة خاصة، فذلك ليس نخبويًا بل استنساخٌ للهيمنة القديمة بثياب الدولة الحديثة.
فالنخب الحقيقية لا تُراكم الثروة، بل تراكم الوعي.
أما هؤلاء فيمارسون النهب باسم الشرعية الإدارية، وينتمون إلى “نخبة السلطة” لا إلى “نخبة الأمة”.

رابعًا: أزمة المفاهيم في بلاد البظان

في المجال الموريتاني، كثير من المفاهيم وُلِدت منزوعة السياق.
فكلمة النخبة ارتدت ثوبًا ليس لها، كما ارتدت الدولة عباءة القبيلة، وارتدى المثقف قناع الإداري.
أصبحت القيم مقلوبة: الجاه مقدّم على الفكرة، والمصلحة على المبدأ، والقرابة على الوطن.
فأنت لا تُقدَّر بما تُبدع، بل بما “تنتمي إليه”.

هذه الاختلالات المفاهيمية ليست لغوية فحسب، بل دلائل على خلل في الوعي الجماعي.
فاللغة هنا ليست مجرد وسيلة للتعبير، بل مرآة لعلاقة الإنسان بالسلطة والمجتمع.

خامسًا: أزمة تكافؤ أم أزمة ضمير؟

حين نغوص في عمق المشكلة، نجد أن الأزمة ليست في غياب النخب، بل في انقطاع التكافؤ بين الوعي والموقع.
يتصدر غير الأكفاء، ويتأخر أصحاب الفكرة، لأن المجتمع لم يُحدّد بعد معيار التفوق.
ولذلك لا يشهد البلد نهضة حقيقية، ولا يشعر الشعب بطعم التعليم، لأن المدرسة لم تُنتج بعد إنسانًا يربط المعرفة بالقيمة، ولا المعلمة التي تحول سلوكها اليومي إلى درس في الوطنية والنزاهة.

خاتمة: نحو استعادة المفهوم

إن استعادة معنى “النخبة” لا تكون بتكرار اللفظ، بل بإحياء وظيفته الأخلاقية والاجتماعية.
النخبة الحقيقية هي من تعيد بناء الوعي الجمعي، وتفكّك منطق الولاء الأعمى، وتدفع الأمة إلى أن ترى نفسها خارج ظلال القبيلة والإقطاع.

ففي النهاية، ليست النخبة من تعرف أكثر، بل من تحب أكثر… وتخدم بصمتٍ أعمق.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى