لم يعد الحديث عن العراق بعد عام 2003 مجرد استعادة لوقائع تاريخية قريبة، بل أصبح مدخلاً لفهم أحد أعقد التحولات الجيوسياسية التي شهدها الشرق الأوسط في العصر الحديث. فالغزو الأمريكي للعراق لم يؤد فقط إلى إسقاط نظام سياسي، بل فتح الباب أمام إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي، وأطلق سلسلة من الصراعات الداخلية التي ما تزال آثارها ممتدة إلى اليوم.
وفي هذا السياق تأتي الشهادة التي قدمها الدكتور محمد عياش الكبيسي حول موقف إيران وحلفائها من المقاومة العراقية. وهي شهادة تعكس رؤية قطاع واسع من النخب السنية العراقية التي رأت في السنوات الأولى بعد الاحتلال صراعاً بين مشروعين: مشروع الاحتلال الأمريكي، ومشروع النفوذ الإيراني. غير أن فهم هذه الرؤية يقتضي وضعها في إطار أوسع يتجاوز السرديات المتقابلة نحو قراءة أكثر تركيباً للواقع السياسي الذي نشأ بعد سقوط بغداد.
—
سقوط بغداد: لحظة انهيار النظام الإقليمي القديم
كان العراق قبل عام 2003 أحد الأعمدة الرئيسية في توازنات الشرق الأوسط. فوجود دولة قوية بجيش كبير وموقع جغرافي مركزي جعل منها لاعباً أساسياً في معادلة القوة بين العرب وإيران وتركيا. وعندما انهار هذا الكيان فجأة تحت ضربات الغزو الأمريكي، لم يسقط نظام سياسي فحسب، بل سقط معه جزء من البنية الاستراتيجية للمنطقة.
لقد أدى حل الجيش العراقي ومؤسسات الدولة إلى خلق فراغ سياسي وأمني هائل. وفي هذا الفراغ ظهرت قوى متعددة تحاول ملء المشهد: قوى الاحتلال الأمريكي، الأحزاب السياسية العراقية الجديدة، الفصائل المسلحة، والتنظيمات الجهادية العابرة للحدود، فضلاً عن التدخلات الإقليمية المتزايدة.
من هنا تحولت الساحة العراقية إلى مختبر للصراعات الدولية والإقليمية، حيث تداخلت الأجندات الأمريكية والإيرانية والعربية والتركية، واختلطت الاعتبارات الطائفية بالمصالح الجيوسياسية.
—
المقاومة العراقية: بين الوطنية والسياق الطائفي
لا شك أن مقاومة مسلحة ظهرت في العراق بعد الاحتلال، خاصة في المناطق ذات الغالبية السنية، وقد خاضت معارك كبيرة ضد القوات الأمريكية مثل معارك الفلوجة التي أصبحت رمزاً للمواجهة مع الاحتلال.
غير أن هذه المقاومة واجهت منذ البداية معضلتين كبيرتين:
الأولى: غياب قيادة سياسية موحدة قادرة على تحويل العمل العسكري إلى مشروع وطني جامع.
والثانية: دخول تنظيمات جهادية مثل القاعدة إلى الساحة العراقية، الأمر الذي أدى إلى تشويه صورة المقاومة لدى قطاعات واسعة من المجتمع العراقي وأعطى ذريعة للقوى الدولية والإقليمية للتدخل بصورة أوسع.
ومع تصاعد العنف الطائفي بين عامي 2006 و2007 تحولت المواجهة تدريجياً من صراع مع الاحتلال إلى صراع داخلي دموي بين مكونات المجتمع العراقي.
—
إيران والعراق: من العداء التاريخي إلى النفوذ الاستراتيجي
من منظور إيراني، كان سقوط نظام صدام حسين حدثاً استراتيجياً بالغ الأهمية. فالعراق كان خلال العقود السابقة الخصم الإقليمي الأكثر خطورة على طهران، وقد خاض البلدان حرباً طويلة ومريرة في ثمانينيات القرن الماضي.
لذلك تعاملت إيران مع العراق بعد 2003 بمنطق الأمن القومي والفرصة الجيوسياسية. فدعمت أحزاباً سياسية شيعية كانت معارضة للنظام السابق، وسعت إلى بناء شبكة نفوذ داخل المؤسسات الجديدة، كما أقامت علاقات وثيقة مع فصائل مسلحة أصبحت لاحقاً جزءاً من المشهد الأمني العراقي.
لكن هذه السياسة فُسرت لدى قطاعات واسعة من السنة العراقيين باعتبارها مشروعاً لتوسيع النفوذ الإيراني في المنطقة، خاصة عندما ارتبط اسم بعض المليشيات بأعمال عنف طائفي خلال سنوات الحرب الأهلية.
وهكذا أصبحت إيران في المخيال السياسي السني جزءاً من المشكلة العراقية، بينما يراها كثير من الشيعة حليفاً ضرورياً في مواجهة التهديدات الأمنية والتنظيمات المتشددة.
—
التنظيمات الجهادية: العامل الذي غيّر مسار الصراع
أحد العوامل الحاسمة في تعقيد المشهد العراقي كان صعود تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، الذي تبنى استراتيجية تقوم على تفجير الصراع الطائفي من خلال استهداف المدنيين الشيعة والمقدسات الدينية.
وقد أدت هذه الاستراتيجية إلى إدخال العراق في دوامة عنف غير مسبوقة، كما فتحت الطريق لاحقاً لظهور تنظيم داعش الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا بين عامي 2014 و2017.
هذا التطور أضعف الخطاب الذي كان يركز على المقاومة ضد الاحتلال وحده، لأن الصراع أصبح في نظر كثيرين معركة وجودية داخل المجتمع نفسه.
—
الصراع الأكبر: إسرائيل والولايات المتحدة في المعادلة
في مقابل هذه القراءة التي تركز على الصراع الداخلي، يرى فريق آخر أن الخطر الحقيقي على المنطقة يبقى متمثلاً في المشروع الصهيوني والتحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويستند هذا الطرح إلى فكرة أن الانقسام السني الشيعي يخدم في النهاية القوى الدولية التي تسعى إلى إبقاء الشرق الأوسط في حالة من التفكك والصراع الدائم.
غير أن هذا التحليل، رغم وجاهته من حيث المبدأ، يواجه سؤالاً أساسياً:
هل يمكن فعلاً بناء جبهة موحدة ضد الأخطار الخارجية في ظل الصراعات الطائفية والسياسية القائمة داخل العالم الإسلامي؟
الإجابة حتى الآن تبدو معقدة، لأن الصراعات الإقليمية نفسها أصبحت جزءاً من معادلة النفوذ الدولي في المنطقة.—
نحو رؤية واقعية للمستقبل
التجربة العراقية تقدم درساً قاسياً لكل المنطقة:
فانهيار الدولة لا يفتح الباب فقط أمام التحرر من الاستبداد، بل قد يفتح أيضاً أبواب الفوضى والصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية.
كما أن توظيف الانقسامات المذهبية في الصراع السياسي أثبت أنه سلاح خطير يصعب السيطرة على نتائجه.
لذلك فإن أي مشروع حقيقي للخروج من أزمات الشرق الأوسط يحتاج إلى ثلاث خطوات أساسية:
1. إعادة بناء الدولة الوطنية على أساس المواطنة لا الطائفة.
2. تخفيف حدة الصراعات الإقليمية بين القوى الكبرى في المنطقة.
3. فتح حوار صريح بين العالم العربي وإيران يقوم على المصالح المشتركة واحترام السيادة.
—
خاتمة
إن شهادة الدكتور محمد عياش الكبيسي تعبر عن جزء مهم من الذاكرة العراقية التي تشكلت في ظل سنوات الاحتلال والحرب الأهلية، لكنها تبقى واحدة من روايات متعددة حول مرحلة تاريخية معقدة لم تنته آثارها بعد.
فالعراق لم يكن ساحة لصراع واحد، بل كان نقطة تقاطع لعدة مشاريع متنافسة: الاحتلال الأمريكي، الطموح الإيراني، التنظيمات الجهادية، والانقسامات الداخلية.
والدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من هذه التجربة هو أن الأمة التي تنقسم على نفسها يسهل على القوى الخارجية إعادة تشكيل مصيرها.
أما التحدي الحقيقي أمام شعوب المنطقة اليوم فهو الانتقال من منطق الصراعات المذهبية إلى منطق المصالح المشتركة، ومن خطاب التعبئة الطائفية إلى مشروع سياسي قادر على بناء الاستقرار والعدالة في آن واحد.
فبدون هذا التحول سيظل الشرق الأوسط يدور في الحلقة نفسها من الصراعات التي بدأت منذ سقوط بغداد ولم تنته بعد.
حمادي سيدي محمد آباتي






