حذر رئيس نادي تفرغ زينة، موسى ولد خيري، من تداعيات التعميم الصادر عن وزارة الثقافة والشباب والرياضة الموجه إلى الاتحادات الرياضية الوطنية، مؤكدًا أن فرض “نظام أساسي نموذجي” وإلزامية المصادقة عليه إداريًا تحت طائلة العقوبات يطرح إشكالاً قانونيًا وتنظيميًا بالغ الحساسية، ويتجاوز حدود الرقابة الإدارية المشروعة للدولة إلى “الوصاية الهيكلية” التي تمس باستقلالية الاتحادات الرياضية. وأوضح ولد خيري أن لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) تمنع بشكل صارم أي تدخل مباشر أو فرض نماذج تنظيمية جاهزة من طرف ثالث، مبينًا أن هذا المسار الإلزامي قد يُفسر دوليًا كخرق للحوكمة المستقلة، مما يهدد كرة القدم الموريتانية بخطر تعليق العضوية أو الإقصاء من المنافسات القارية والدولية، على غرار تجارب سابقة شهدتها دول كالهند وكينيا وزيمبابوي. واختتم رئيس النادي قراءته بالدعوة إلى مراجعة هذا التعميم والبحث عن صيغة توازن تضمن الشفافية واحترام السيادة الوطنية دون تفخيخ الالتزامات الدولية، تجنبًا لأي أزمة قد تعصف بمستقبل الرياضة الوطنية ومكانة موريتانيا في المنظومة الكروية العالمية.
وجاء في نص الرسالة:
اطلعتُ على التعميم الصادر عن الوزارة الوصية والموجَّه إلى مختلف الاتحادات الرياضية الوطنية، وأرى أن مضمونه يطرح إشكالًا قانونيًا وتنظيميًا بالغ الحساسية، خصوصًا فيما يتعلق بكرة القدم، بحكم ارتباطها بمنظومة دولية صارمة تحكمها قوانين ولوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA، الذي يُعد المرجعية العليا في هذا المجال.
كرة القدم اليوم لم تعد مجرد نشاط رياضي محلي، بل أصبحت منظومة عالمية قائمة على قواعد حوكمة دقيقة، من أهمها مبدأ استقلالية الاتحادات الرياضية عن أي تدخل سياسي أو حكومي مباشر. ولهذا السبب، فإن أي إجراء إداري يمسّ البنية الداخلية للاتحادات أو يفرض عليها نماذج تنظيمية جاهزة قد يُنظر إليه دوليًا باعتباره تدخلًا من طرف ثالث، وهو أمر ترفضه FIFA بشكل واضح وصريح.
التعميم الوزاري ينص، وفق ما ورد فيه، على التطبيق الإلزامي لـ “نظام أساسي نموذجي” على جميع الاتحادات الرياضية، مع إلزامها بمراجعة أنظمتها الداخلية لتتطابق مع هذا النموذج، إضافة إلى اشتراط إرسال تلك الأنظمة إلى السلطة الوصية للمصادقة عليها، مع التلويح بإجراءات وعقوبات إدارية قد تصل إلى تعليق الأنشطة أو سحب الاعتماد.
وهنا تحديدًا يكمن جوهر الإشكال.
فالوزارة لا تكتفي برقابة قانونية أو إدارية عامة، وهي صلاحيات طبيعية لأي دولة، بل تتجاوز ذلك إلى التدخل المباشر في طريقة تنظيم الاتحادات، وهيكلة أجهزتها، وآليات اشتغالها الداخلي، وهو ما يدخل في نطاق تعتبره FIFA جزءًا من الاستقلالية المحمية للاتحادات الوطنية.
لوائح FIFA واضحة في هذا الجانب، إذ تُلزم كل اتحاد عضو بأن يدير شؤونه بصورة مستقلة ودون أي تأثير من طرف ثالث، كما تشدد على ضرورة تجنب كل أشكال التدخل السياسي في القرارات التنظيمية والانتخابية للاتحادات. كما تنص على أن الهيئات القيادية داخل الاتحادات يجب أن تُنتخب أو تُعيَّن وفق الأنظمة الأساسية الخاصة بكل اتحاد، وبإجراءات تضمن استقلاليته الكاملة.
صحيح أن FIFA تعتمد مبادئ حوكمة موحدة، وتضع نماذج استرشادية للأنظمة الأساسية، لكنها لا تسمح بفرضها عبر قرار حكومي أو مرسوم إداري، بل تشترط أن يتم اعتمادها من داخل الاتحاد نفسه، عبر جمعيته العامة وبإرادة مستقلة.
ومن هنا يظهر التناقض القانوني بوضوح.
فحين تضع الدولة مضمون النظام الأساسي، وتفرض اعتماده، وتشترط المصادقة عليه إداريًا، مع التهديد بعقوبات مرتبطة بالحكامة الداخلية، فإن ذلك قد يُفسَّر لدى FIFA باعتباره تدخلاً حكوميًا مباشرًا في شؤون الاتحاد.
وهذا النوع من التدخل سبق أن أدى في دول عديدة إلى أزمات حقيقية مع الاتحاد الدولي، وصلت أحيانًا إلى تعليق العضوية، أو فرض لجان تطبيع، أو الإقصاء من المسابقات القارية والدولية، كما حدث في تجارب معروفة بدول مثل الهند وكينيا وزيمبابوي وغيرها.
لا أحد يعترض على حق الدولة في مراقبة المال العام، أو فرض الشفافية، أو التأكد من احترام القوانين الوطنية، فذلك يدخل ضمن صلاحياتها السيادية الطبيعية. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الرقابة الإدارية إلى وصاية هيكلية تمسّ طريقة تشكيل الهيئات الرياضية وآليات تسييرها الداخلي.
فالفرق كبير بين التنظيم الإداري المشروع، وبين التدخل في استقلالية القرار الرياضي.
ولهذا يمكن تلخيص المسألة ببساطة في عبارة واحدة:
FIFA تقبل التنظيم العمومي، لكنها ترفض الوصاية السياسية.
ومن خلال قراءة مضمون التعميم، يبدو أن الأمر تجاوز حدود التنظيم الإداري نحو فرض مقاربة وصائية على الاتحادات الرياضية، وهو ما قد يضع موريتانيا أمام احتمال صدام مؤسسي مع الهيئات الدولية المشرفة على كرة القدم.
إن الخطر لا يكمن في وجود قواعد وطنية أو ضوابط تنظيمية، بل في الطابع الإلزامي للتدخل، وفي إخضاع الحكامة الداخلية للاتحادات لموافقة السلطة الإدارية، لأن ذلك يتعارض مع المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه منظومة FIFA، وهو استقلالية الاتحادات الرياضية.
وعليه، فإن الحكمة تقتضي مراجعة هذا المسار، والبحث عن صيغة توازن بين احترام السيادة القانونية للدولة، وضمان استقلالية الهيئات الرياضية وفق الالتزامات الدولية، تجنبًا لأي أزمة قد تنعكس سلبًا على مستقبل الرياضة الوطنية ومكانة موريتانيا داخل المنظومة الكروية الدولية.
موسى خيري





