sliderالمبتدأ

بين دعم المحروقات والدعم الاجتماعي.. ملاحظات على تعليق الوزير الأول

محمد نعمه عمر

قراءتي لتعليق الوزير الأول، المختار ولد أجاي، حول معضلة دعم المحروقات مقابل الدعم الاجتماعي المباشر، لا تقف عند حدود الترحيب بفتح نقاش عمومي مدعوم بالأرقام، بل تتعداه إلى تفكيك الخيارات الاقتصادية المطروحة واختبار مدى واقعيتها،  لإن السياسات العامة لا تُقاس بالنوايا المعلنة، بل بالآثار الثانوية التي تُحدثها في حياة الناس وفي بنية الاقتصاد الوطني الحساس تجاه الصدمات.

ينطلق المنطق الحكومي من فرضية تبدو عادلة نظرياً: “الدعم الشامل للمحروقات يستفيد منه الأغنياء، وتوجيهه للمستهدفين مباشرة أكثر نجاعة”. لكن هذا المنطق يتجاهل الطبيعة الهيكلية للاقتصاد الموريتاني؛ فالمحروقات ليست سلعاً استهلاكية نهائية يستأثر بها أصحاب الرفاهية، بل هي مدخل إنتاجي وخدمي وسيط، رفع الدعم عنها يولد أثراً تضخمياً متسلسلاً ومباشراً على تكاليف نقل البضائع، والإنتاج الزراعي، والخدمات الأساسية. وبالتالي، فإن الفئات الأقل دخلاً التي ستحصل على دعم مالي مباشر، ستخسر قوتها الشرائية فوراً في الأسواق نتيجة الارتفاع الجنوني للأسعار الناجم عن تحرير أسعار الوقود. إن كفاءة الدعم المباشر تظل رهينة بوجود شبكات أمان رقمية دقيقة، ومعدلات فساد صفري في قوائم المستفيدين، وهو ما لا تضمنه الآليات الحالية لـ “التآزر” والبرامج المشابهة، حيث تفوق التكلفة الإدارية ومخاطر المحسوبية أحياناً وفورات رفع الدعم.

من جهة أخرى، يربط الخطاب الرسمي بين هذا التحول وبين مشاريع الاكتفاء الذاتي الزراعي وتوسيع الطاقات التخزينية للمحروقات. وهنا تبرز المفارقة؛ فالحديث عن هذه المشاريع كحلول مستقبلية يواجه حتمية المحاسبة على السياسات الماضية، خاصة وأن الإدارة الحالية ليست غريبة على مراكز صنع القرار المالي والاقتصادي طيلة العقد الماضي.

إن التساؤل الحقيقي ليس عن سبب التأخير التاريخي، بل عن الضمانات الهيكلية التي تمنع تعثر هذه المشاريع مجدداً في بيئة استثمارية تعاني من ضعف الحوكمة.

وفيما يخص مكافحة الفساد وتوفير موارد ذاتية، فإن الاكتفاء بإعلان تحقيق وفورات مالية دون نشر تقارير دورية، مدققة وقابلة للقياس الكمي، يبقي المسألة في إطار الدعاية السياسية. فالرأي العام والمستثمرون بحاجة إلى أرقام صادرة عن جهات رقابية مستقلة تثبت كفاءة الإنفاق العمومي وعائده على الاستثمار، وليس مجرد جرد للمبالغ المنفقة.

الخلاصة الاقتصادية تفرض تجاوز ثنائية (دعم المحروقات ضد دعم الفقراء)؛ فالخيار الحقيقي يكمن في مدى قدرة الحكومة على حماية القدرة الشرائية من التضخم المستورد، وتحويل الفائض المالي من الموارد الذاتية إلى استثمارات منتجة تخلق فرص عمل حقيقية، عوضاً عن تبديد الموارد في برامج إغاثية مؤقتة تسكن الألم ولا تعالج المرض الهيكلي للاقتصاد الموريتاني.

محمد نعمه عمر

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى