منذ خطاب الأول من مارس 2019، اتضح للناخبين الموريتانيين، في صفوف الأغلبية والمعارضة، وللعلماء وأبناء المقاومة والشهداء والشباب وقادة الرأي والمجتمع المدني ومؤسسات التربية وقوى التغيير، حجم الحاجة إلى نهجٍ في الحوكمة يُنزل الناس منازلهم، وينصف أصحاب الكفاءات، ويُعلي من شأن القدوة الحسنة، ويخدم مشروع موريتانيا المتصالحة مع تاريخها ودينها، والمؤمِّمة لخيراتها، والمؤمنة بحسن الجوار والحوار، والقائمة على دولة المؤسسات الجمهورية.
وكان واضحًا لكثير من الموريتانيين أن الرئيس الجديد للبلاد يمثل، في نظر مؤيديه، أملًا في الإصلاح والخروج الآمن من إرث طويل من الأزمات والتحالفات التي أضرت بالمنطقة وأعاقت مسارات التنمية والاستقرار.
لقد فشلت قوى عديدة، عبر عقود طويلة، في فهم وإنصاف العلماء الشناقطة، وأبطال وشهداء المقاومة الوطنية، وإرث المرابطين الحضاري، ومدارس التصوف السني، ودولة الفقهاء والمذهب المالكي، وأئمة الهدى من الحركات الدعوية الشنقيطية التي كان لها أثر بالغ في تاريخ الصحراء الكبرى منذ القرن الخامس الهجري.
والسؤال الجوهري المطروح اليوم على النخبة الموريتانية: لماذا فشلت الحكومات المتعاقبة منذ عام 1958، كما فشلت كثير من الحركات السياسية المؤدلجة منذ ستينيات القرن الماضي، في احترام هذه القدوات وإبراز مكانتها في المجتمع؟
إن المرحلة الحالية مرحلة جادة ومصيرية، والخطر الذي يواجه الكيان الموريتاني خطر وجودي في نظر كثيرين، باعتبار موريتانيا وريثةً لتاريخ حضاري وديني عريق امتد لأكثر من عشرة قرون.
كما أن بروز بعض الأصوات التي تسيء إلى الثوابت الدينية أو تستهزئ بالرموز العلمية والدعوية يستوجب مراجعة شاملة لأدوار المؤسسات الجمهورية والإعلامية والثقافية والتربوية، بما يعزز قيم الاحترام والاعتدال والانتماء الوطني.
فبأي حق يتم الترويج للإلحاد أو الإساءة إلى السنة النبوية ومذهب الإمام مالك في بلد عُرف تاريخيًا بأنه بلد الفقهاء والعلماء؟
إن فشل بعض النخب السياسية والحكومات المتعاقبة في سن تشريعات تحمي الرموز الوطنية والدينية وتُعلي من شأن القدوات الحسنة أمر يثير التساؤل والقلق.
ومن هذا المنطلق، فإن تجاهل إرث المرابطين وأبطال المقاومة الوطنية، أو الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى الإمام مالك وفقهه، أو إلى أئمة العلم والدعوة، ومن بينهم الإمام بداه، وقاضي القضاة محمد سالم ولد عدود، والداعية محمد ولد سيدي يحي، والعلامة الشيخ عبد الله بن بيه، والشيخ محمد الحسن ولد الددو، وغيرهم من العلماء والدعاة، يمثل في نظر كثيرين تقصيرًا في حفظ الذاكرة الوطنية والمرجعية الدينية للبلاد.
كما أن ضعف الدعم الموجه لمدارس التعريب، والمحاظر، والمساجد التاريخية، ومراكز حفظ المخطوطات، ومدن التراث، يهدد بإضعاف الأدوار الحضارية التي قامت بها هذه المؤسسات عبر القرون.
إن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى نشوء أجيال ضعيفة الصلة بتراثها وهويتها وقيمها، بما ينعكس سلبًا على البناء الوطني والثقافي والاجتماعي.
فمن ينصف القدوات والكفاءات؟ ومن يكشف للرأي العام الجهات التي تسعى إلى تهميشها؟
إن الحل، في تقديري، يكمن في خدمة القرآن الكريم والسنة النبوية، ورفع مكانة مدارس الفقهاء والدعاة، ودعم المؤسسات التعليمية الوطنية، والمحاظر، ومشروعات التأصيل العلمي والتربوي.
ويبرز في هذا السياق نموذج الداعية محمد ولد سيدي يحي، الذي حافظ على استقلالية دعوته، بعيدًا عن التجاذبات السياسية والحزبية والقبلية، وهو ما أكسبه مكانة واسعة لدى فئات مختلفة من المجتمع.
وذلك، في نظر أنصاره، يمثل وفاءً لروح خطاب الأول من مارس 2019، وللعقد الجمهوري الذي سعى إلى تعزيز الإنصاف والتوافق الوطني.
واليوم يتطلع الموريتانيون، في الداخل والخارج، إلى إنصاف علمائهم ودعاتهم، والاعتزاز بمدارسهم ومحاظرهم ومآذنهم وشهدائهم ومناضليهم، وإلى ترسيخ ثقافة الاعتدال والسلم الأهلي، وتجفيف منابع الغلو والتطرف والاستهزاء بالمقدسات.
بقلم: محمد الشيخ ولد سيد محمد
أستاذ وكاتب صحفي
السبت 6 يونيو 2026





