سمو الدستور وشرعية الأحزاب: قراءة في تهافت أطروحات الخصومة السياسية
محمد عبدالله محمدالامين
شهدت الساحة القانونية والإعلامية في الآونة الأخيرة نقاشات واسعة أثارها الأستاذ سيدي المختار ولد سيدي، حيث تناول بالانتقاد الحاد بعض المواد الدستورية الموريتانية بدعوى خرقها لبعض القوانين أو مخالفتها الصريحة لأحكام الشريعة الإسلامية، ولم يقتصر طرحه على نقد الوثيقة الدستورية بل وجه سهام اتهامه بشكل مركز ومباشر نحو حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل)، مدعيًا أن الحزب يخالف الشريعة الإسلامية ويتلقف أفكاراً غربية مستوردة تتناقض مع قيم المجتمع الموريتاني مثل اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة باتفاقية سيداو، ورغم أن النقاش الفقهي والقانوني يعتبر في أصله ظاهرة صحية تعكس حيوية دولة المؤسسات، إلا أن وضع الأمور في نصابها القانوني الصحيح وتأصيلها الفقهي السليم يعد ضرورة ملحة لحماية استقرار المراكز القانونية وتبيان مدى تهافت هذه الطروحات وانفصالها عن الواقع الإداري والدستوري للبلاد.
إن المحاكمة القانونية الصرفة لطرح الأستاذ سيدي المختار تكشف من البداية عن خلل بنيوي يتعلق بفهم هرمية القواعد القانونية المستقرة عالمياً، فالنظام القانوني في الجمهورية الإسلامية الموريتانية يقوم على تدرج تشريعي يحتل فيه الدستور قمة الهرم، وبناءً على هذه القاعدة الراسخة فإنه لا يمكن ماديًا ولا منطقيًا لفقرة دستورية أن توصف بأنها تخالف قانونًا عاديًا صادرًا عن البرلمان بل إن العكس هو الصحيح تماماً، فإذا ثار أي تعارض بين نص قانوني فرعي ونص دستوري فإن المحكمة أو الجهة المختصة تحكم فوراً بعدم دستورية القانون العادي وتلغيه لأن الدستور هو المنبع الأساسي والوحيد لشرعية القوانين كلها، وبالتالي فإن اتهام الوثيقة الدستورية بمخالفة قوانين فرعية يمثل قلباً مشوهاً للقواعد القانونية وعجزاً عن إدراك طبيعة النصوص السيادية، كما أن ادعاء مخالفة الدستور الموريتاني للشريعة الإسلامية يتبدد أمام التأسيس العقدي الواضح للدولة حيث أعلنت ديباجة الدستور ومادته الأولى بصورة قاطعة أن الإسلام هو دين الشعب والدولة وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد والملزم للقانون، ولحماية هذا التوجه أحاط الدستور نفسه بآليات رقابية صارمة تقودها هيئة قضائية عليا تتمثل في المجلس الدستوري لضمان عدم نفاذ أي تشريع يتصادم مع هذه الثوابت، مما يوضح أن القول بوجود عوار شرعي في مواد الدستور ينبع دائماً من قراءة مجتزأة وتأويل شخصي ضيق لبعض المواد المتعلقة بالحقوق والحريات العامة، في حين أن القضاء الدستوري والمشرع يفسران هذه المواد دائماً في إطار النظام العام الإسلامي للدولة باعتبار أن الحرية في المنظومة الموريتانية ليست انفكاكاً مطلقاً من القيم بل هي حرية منضبطة ومقيدة بحدود الشرع الحنيف الذي قامت على أساسه أركان الدولة.
ويتمدد ذات الخلل المنهجي ليتضح بجلاء في الاتهامات الموجهة لحزب تواصل بمخالفة الشريعة أو تبني اتفاقية سيداو دون ضوابط، حيث يتناسى هذا الهجوم حقيقة إدارية وقانونية بالغة الأهمية وهي أن الأحزاب السياسية في موريتانيا لا تنشأ في غياب الرقابة ولا تتحرك في فضاء سائب بل تخضع لنصوص قانون الأحزاب الصارم وتمر ملفات تأسيسها عبر مصفاة دقيقة وفحص معمق من لدن وزارة الداخلية واللامركزية بصفتها الجهة السيادية المسؤولة، وتلك السلطة الإدارية لا تمنح ترخيص العمل لأي تشكيل سياسي إلا بعد الجزم التام بأن نظامه الأساسي وبرنامجه الحزبي ومبادئه المعتمدة تتطابق بالكامل مع الدستور وتحترم المرجعية الإسلامية للبلاد، وهذا يعني قانوناً أن شرعية حزب تواصل مستمدة من قرار رسمي صادر عن سلطة عمومية تنوب عن المجتمع في رعاية القوانين وحمايتها، وطعن الأستاذ سيدي المختار في شرعية هذا الحزب أو رميه بالخروج عن الشريعة يمثل في جوهره طعناً ضمنياً ومباشراً في أهلية وأمانة وزارة الداخلية والأجهزة الرقابية للدولة التي فحصت وثائق الحزب وأذنت له بالنشاط بناءً على قوانين الجمهورية المكتوبة.
ومن هنا يبرز التناقض الصارخ والانتقائية المفرطة التي تخرج هذا الطرح من دائرة النقد القانوني التجردي إلى فضاء الخصومة السياسية المحضة، فإذا كان المنطلق الفكري للأستاذ يقوم على أن الدستور الموريتاني يتضمن مخالفات شرعية وأن حزب تواصل مدان لأنه يمارس السياسة تحت سقف هذا الدستور، فلماذا يتم عزل هذا الحزب بالذات واستهدافه دون بقية الأحزاب السياسية في البلاد، إن المنظومة التشريعية الموريتانية تضم عشرات الأحزاب السياسية بما فيها حزب الإنصاف الحاكم وكافة القوى المعارضة والموالية التي نالت تراخيصها من ذات الوزارة وتتحرك تحت رعاية ذات الدستور وبموجب نفس المادة القانونية، وتخصيص فصيل معارض واحد بهذا الهجوم العنيف ومحاولة تقديمه كخارج عن الإجماع الشرعي يكشف أن الدوافع الحقيقية هي دوافع أيديولوجية وتجاذبات سياسية لا علاقة لها بالحرص الفقهي، إذ لو كان الهدف هو الذود عن الشريعة الإسلامية وتصحيح المسار التشريعي لتوجه النقد والنقاش للمنظومة القانونية بأكملها ولجميع الأحزاب دون استثناء، أما حصر التهم في جهة واحدة فهو دليل قاطع على غياب القصد القانوني المجرد واستبداله برغبة في تصفية الحسابات السياسية عبر منابر التواصل الاجتماعي.
ويظهر ذات الفساد في الاستدلال عند محاولة ربط الحزب بالاتفاقيات الدولية وتحديداً اتفاقية سيداو بطريقة توحي بالتبني الأعمى للأفكار الغربية، وهو ادعاء يتجاهل بصفة غريبة الواقع التشريعي والسيادي للجمهورية الإسلامية الموريتانية التي عندما أقدمت على المصادقة على هذه الاتفاقية أحاطت موافقتها بتحفظ عام وصريح وقاطع يقضي بعدم تطبيق أي بند أو مادة تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية، وأي حزب سياسي يعمل في ظل القانون الموريتاني يعتبر حكماً ملزماً بالتحفظات السيادية للدولة ولا يمتلك في برامجه ولا في أدبياته القدرة أو الصلاحية لتجاوز السقف الشرعي الذي حددته الجمهورية، ولذلك فإن محاولة إلصاق تهمة التغريب ومخالفة الدين بحزب تواصل بناءً على هذا الملف تعد تزييفاً صريحاً للواقع القانوني ومجافاة تاماً للحقيقة، وتظل مجرد مزايدة سياسية مستهلكة تفتقر للمصداقية العلمية والعمق الفقهي والقانوني وتؤكد للمتابع المنصف أن هذه الحملة نابعة من مواقف شخصية تفتقد للمستند القضائي أو الأثر القانوني المعتبر.
محمد عبدالله محمدالامين






