sliderمقالات ورأي

حديث في موضوعات تختلف في أحجامها!!!

التراد ولد سيدي

لقد كنت متردداً في تناول ما اطلعت عليه مؤخراً من نشاط لبعض المثقفين والناشطين والحقوقيين يطالبون فيه بحق الموريتانيين الكثيرين الذين تعرضوا للظلم بمختلف أشكاله في عهد الأنظمة التي تعاقبت على البلد، وخصوصاً ما جرى في عهدي ولد هيدالة ومعاوية ولد سيد أحمد الطائع، وخصوصاً ما تعرض له البعثيون من تجاوزات تضمنت تصفيتهم من الجيش وقوات الأمن، بتهمة انتمائهم لفكر سياسي، دون أن يكون لهم مخطط يمس الأمن أو يهدف إلى تغيير السلطة.
وإنني، كجزء من المرحلة، ومن الذين تعرضوا للظلم، وتعرض أقاربي ورفاقي لصنوف الظلم والتعذيب ومصادرة الممتلكات رغم محدوديتها، فإنني أجد نفسي مؤيداً وداعماً ومثمناً لأي جهد يحق الحق ويسترجع للمظلومين حقوقهم.
ورغم أن الذين يتحركون لم يستشيروني أو يطلبوا مني رأياً أو يتبادلوا معي حديثاً، ولم يطلبوا دعمي رغم أنني أكثر اطلاعاً على الموضوع من الكثيرين، وقد كان آخر عملي مع حزب البعث محاولة اشترك معي فيها المرحوم محمد يحظيه ولد ابريبد الليل عندما ناقشت عدة أشهر مع الرئيس معاوية حول فكرة قدمها لنا بأن نقوم نحن بحل التنظيم في الجيش مقابل ألا يتعرض لنا، وقد قبلت وقبل محمد يحظيه الفكرة وطرحناها في اجتماع بين قيادتنا والقيادة القومية عقدناه في روما، وحضره كثيرون موجودون الآن يمارسون السياسة أو قريبون ممن يمارسونها اليوم، وفشلنا في إقناع القيادة القومية بالفكرة، ولم يقتنع بها التنظيم العسكري الذي كان أقوى منا جميعاً وأهم عند القيادة القومية، وكان ذلك هو السبب فيما جرى من فشل لمحاولتنا. لقد كنا نعتقد، أنا والرفيق، بعد أن طرح علينا معاوية الفكرة، أنها فرصة لا تعوض، لكن وضعنا كان أضعف من أن نحقق مثل هذه المهمة العظيمة بسبب صيغنا التنظيمية وتسلسل القيادة.
لم نرَ، أنا ومحمد يحظيه، في ذلك الوقت أننا يمكن أن نطلع القيادة في موريتانيا معنا على الفكرة، وكانت بداية الفكرة بعد أن تعرضنا لقمع شديد. إنني شخصياً قلت للمحققين إنني لا يمكن أن أتحدث في أمور رئيسية إلا مع الرئيس معاوية. وبعد فترة من إطلاق سراحنا من المعتقل أرسل إليّ معاوية مرافقه العسكري محمد ولد عبد العزيز فك الله أسره وفرج كربه، والتقى بزوجتي تحية يسأل عني وترك لي رسالة لم تفهمها هي. وبعد رجوعي إلى الدار جاءني محمد وأوصلني إلى قصر الرئاسة، واستقبلني معاوية في داره، وذكر لي، وهو يدير إليّ مكتوباً، أن المخابرات الفرنسية تعتبرني “الفارس الأسود” أو “الأمير الأسود” في تنظيم البعثيين، وأنه استدعاني ليقول لي إنه لا يريد شراً بالبعثيين ولا بالناصريين، لكنه لا يمكن أن يطمئن إلى أن من يعمل في الجيش لا يقصد ولا ينوي الانقلاب، فلو كنتم بلا عمل في الجيش فلن نتعرض لكم.
فقلت له: اسمح لي، السيد الرئيس، أن أعتبر موقفكم عادلاً لا غبار عليه، لكنني لا أستطيع إعطاءكم التزاماً، فأنا لست بالقوة التي تعتقدها الجماعة، وكنت أعني المخابرات الفرنسية، لكنني سأبذل ما أستطيع، وأقترح عليكم طرح الموضوع على محمد يحظيه ولد ابريبد الليل. أنا أستطيع التحدث معه في الموضوع، لكن حديثكم معه يبعث على ثقته بالموضوع، وقلت له إن محمد يحظيه لن يرفض الفكرة. وبعد هذا اللقاء بيومين جاءني محمد يحظيه في الدار وحدثني باستدعاء معاوية له البارحة وحديثه معه في الموضوع، وقال له إنه تحدث قبله مع أحد البعثيين ولم يسمّه له، فقلت له: وماذا ترى؟
قال لي: والله أنا في حيرة، فالرجل جاد والموضوع خطير، وجماعتنا يصعب إقناعهم بشيء من هذا النوع. فقلت له: أنا أعتبرها فرصة، فأي وضع يجنبنا الضرب سيكون في مصلحتنا، لكن القيادة القومية لن يمكن إقناعها. واتفقنا على وضع دراسة توضح إمكانية أن يكون النظام قد اخترق التنظيم، وصرنا لا نثق في تنظيم مخترق لا فائدة فيه، وسيشكل سبباً لما لا نعرف كيف سيكون، ولم ترد القيادة علينا بجواب.
وهكذا، بعد وقت غير طويل، استنتج معاوية أننا نحاول خداعه ولن نفيده، فأقدم على ضربنا. ولست أعلم هل لدى محمد يحظيه مذكرات تتضمن شيئاً من هذا، وقد كنت أحب أن يتحدث هو قبلي، ولا أعلم هل سيتناول معاوية هذا الموضوع أو تناوله من قبل، ولست أعلم هل حدث محمد يحظيه من يثق بهم من البعثيين كـدفالي ومحمد ولد أحمد، وأرجح أنه كان قد حدث به دفالي، وأرجو أن يطلع معاوية والرئيس محمد ولد عبد العزيز على ما كتبت الآن.
وانطلاقاً مما ذكرت، أنا أعلم ما جرى للبعثيين من ظلم عندما تمت تصفيتهم وحُرم الآلاف، بنسائهم وأطفالهم، ومن خدموا الوطن طويلاً، من حقوقهم، وهناك حقوق أخرى لأناس عُذبوا وشهداء قُتلوا تحت التعذيب، منهم ناصريون وغيرهم. وأنا نفسي تم تعذيبي وفقدت الوعي مرتين، وكنت يمكن أن أهلك تحت التعذيب، ولنا حقوق، وكل من تعرض لظلم يحق له المطالبة باسترجاع حقه. لكن كل ذلك شيء، وما تعرض له مكون إفلان الهال بلار في عهد معاوية ولد سيد أحمد الطائع في سنوات 1989 و1990 و1992 يختلف عن كل ذلك ولا يقارن به!!!
إن ما تعرض له هذا المكون تجاوز في شناعته وبشاعته ووحشيته كل شكل آخر، فلا يمكن أن نتحدث عن استهداف عنصر بشري للتصفية الجسدية بدم بارد وقتله بكل صنوف القتل، بالشنق والذبح والدفن أحياء.
إن من لم يطلع على تفاصيل ما جرى قد لا يتكون لديه ما يبرر الإدانة والتجريم اللذين يتكونان لدى من يطلع، لكن أكثر الناس اليوم اطلعوا، بمستويات متفاوتة من الاطلاع، تكفي لتكوين رأي.
فلم يبق الآن هناك مبرر لتمييع الموضوع، فإن ما حدث من تصفية جسدية عرقية، دافعها العنصرية والوحشية، لا نستطيع أن نستعيد بعده إنسانيتنا وقابليتنا لعلاج ما أصاب بنيتنا من خلل، ووحدتنا ولحمة شعبنا المسلم المتعايش في سلام منذ آلاف السنين، تكونت خلالها عقولنا وأذواقنا ومبادؤنا وقيمنا الإنسانية، وقد شكلنا معاً كياناً في وطن واحد بعلم ونشيد وعقد اجتماعي. فلابد من الصراحة في المعالجة والمسامحة والتراضي حتى يمكن تجاوز الموضوع بشكل صحيح وصريح، والاعتراف بحقائق هذه المرحلة السوداء والعقدة التي لابد من حلها. لابد من معرفة اليتامى من أيتمهم وأين ذووهم، ومعرفة الأبناء من آبائهم وأين أزواجهم، ومعرفة المغتصبات من اغتصبهن، والمسلوبين من سلبهم!!!
لا شيء يشبه الإبادة الممنهجة، ولا شيء يقارن بحملة تتجه إلى مكون بذاته لمحوه وإنهائه. إننا، قبل معالجة الإرث الإنساني، لسنا طبيعيين ولا مستقيمين ولا صالحين لتحقيق شيء صحيح يمكن تسميته عدلاً أو إنصافاً أو ما يمكن جعله مدخلاً لعلاج شيء مهم. فعلاج الإرث الإنساني هو نقطة البداية للتجاوز بعد ذلك إلى ما سواه، وأهيب بالإخوة من كل الآراء والتوجهات والاتجاهات ألا تختلط عليهم الأمور، وأن يعطوا الأشياء أحجامها الحقيقية، وإلا فسيتيهون وتضيع منهم معالم الطريق عندما لا تكون هناك أولوية معتبرة في ترتيب الاهتمام بالقضايا، وتجعل الأشياء تُعامل دون اهتمام بأحجامها، فذلك خطأ لا يجوز الوقوع فيه. نعم، ذلك خطأ لا يجوز الوقوع فيه!!!

التراد ولد سيدي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى