بين مقص الختان وعقد الزواج المبكر: رحلة الفتاة الفولانية نحو حقها في الاختيار
كتبت: بنتو صو

في إحدى الليالي الباردة بمنطقة “الركيبة”، غير بعيد من بلدية “لكران”، كانت الطفلة شيلا باه تستعد لدخول مرحلة جديدة من حياتها لم تخترها بنفسها. لم تكن قد تجاوزت عامها العاشر حين بدأت أسرتها الترتيب لزواجها من ابن عمها الذي يكبرها بنحو عشر سنوات.
في ذلك الوقت، كانت شيلا تملأ دفاترها المدرسية بأحلام طفولية بسيطة. كانت ترغب في أن تصبح معلمة في قريتها الصغيرة، وأن تواصل تعليمها مثلما كانت تشاهد في البرامج التعليمية التي تصل أحياناً إلى منطقتها النائية. غير أن تلك الأحلام سرعان ما اصطدمت بواقع اجتماعي يرى في الزواج المبكر مساراً طبيعياً للفتيات.
تقول شيلا وهي تستعيد تلك الفترة: “لم أكن أفهم معنى الزواج، ولم يسألني أحد إن كنت أريده أم لا”.
لكن الزواج لم يكن أول تجربة قاسية مرت بها. فقبل سنوات من ذلك، كانت قد خضعت للختان وهي رضيعة، في إطار ممارسة اجتماعية متوارثة لا تزال حاضرة في بعض الأوساط الفولانية، حيث يُنظر إليها باعتبارها جزءاً من التقاليد المرتبطة بتنشئة الفتيات.
واليوم، وبعد أقل من عامين على زواجها، أصبحت أماً. تنظر إلى طفولتها القصيرة بوصفها مرحلة انتهت قبل أوانها، تاركة وراءها أحلاماً لم تتح لها فرصة النمو.
تقاليد راسخة
في بعض الأوساط الفولانية التقليدية، لا يزال الزواج المبكر يحظى بقبول اجتماعي واسع. وتفيد شهادات ميدانية بأن كثيراً من الأسر تفضّل تزويج بناتها في سن مبكرة خشية الوصمة الاجتماعية المرتبطة بتأخر الزواج.
وفي بعض الحالات، تبدأ ترتيبات الخطبة منذ السنوات الأولى من عمر الطفلة، خاصة داخل دائرة أبناء العمومة، حفاظاً على الروابط العائلية كما يراها أنصار هذه الممارسة. ويعتبر بعض الآباء أن الزواج المبكر يوفر الحماية والاستقرار للفتيات ويجنب الأسر ضغوطاً اجتماعية متوارثة.
ورغم التحولات الاجتماعية المتسارعة واتساع نطاق التعليم والحملات التوعوية، لا تزال ظاهرتا الختان والزواج المبكر حاضرتين في عدد من المناطق الريفية.
ووفقاً لاستبيان محلي شمل أربعين سيدة من ضواحي مدينة كيفه، أفادت ثمانون بالمائة من المستجوبات بأنهن تعرضن للختان والزواج المبكر معاً، بينما أكدت ستون بالمائة منهن أن الزواج المبكر ترك آثاراً مباشرة على حياتهن الصحية أو الاجتماعية أو التعليمية.
أصوات مؤيدة
لا ينظر الجميع إلى هذه الممارسات بالمنظار ذاته. فهناك من يعتبرها جزءاً من الهوية الثقافية التي ينبغي الحفاظ عليها.
تقول مارل صو: “نحن نزوج بناتنا في سن مبكرة لأننا نعتقد أن ذلك يحفظ لهن الاستقرار ويجنبهن المشكلات الاجتماعية. هذا ما ورثناه عن آبائنا وأجدادنا”.
ويرى المدافعون عن هذه الممارسات أنها تسهم في تعزيز الروابط الأسرية، خاصة أن كثيراً من الزيجات تتم داخل دائرة الأقارب وأبناء العمومة.
شهادات من الجانب الآخر
على الطرف المقابل، تروي كمب بكري، المولودة سنة 1993، تجربة مختلفة تماماً.
تقول: “تعرضت للختان مثل أغلب فتيات قريتي. تزوجت مرتين، وفي كل مرة انتهى الزواج بالفشل بسبب مشاكل صحية عانيت منها. وعندما تزوجت للمرة الثالثة اكتشف الأطباء أنني بحاجة إلى عملية جراحية لمعالجة المضاعفات الناتجة عن الختان”.
وتضيف أن سنوات طويلة من حياتها ضاعت بين العلاج والمعاناة النفسية والاجتماعية.
ولا تبدو قصة كمب استثناءً في نظر العاملين في المجال الصحي.
ففي عيادة كيسي، تؤكد القابلة “سيرا جكانا” أن الختان والزواج المبكر يمثلان أبرز التحديات التي تواجه النساء في المناطق الريفية.
وتقول: “نستقبل بشكل متكرر نساء يعانين من مضاعفات صحية ونفسية مرتبطة بهاتين الممارستين، من بينها صعوبات الولادة، والالتهابات المتكررة، والاضطرابات النفسية الناتجة عن تجارب عشنها في سن مبكرة”.
وتضيف أن بعض الفتيات يجدن أنفسهن في حياة زوجية قبل أن يكتمل نضجهن الجسدي أو النفسي، ما يضاعف من حجم التحديات التي يواجهنها لاحقاً.
مستقبل معلّق بين العادة والحق
بين قصة شيلا وتجربة كمب تتجلى معاناة أجيال من الفتيات اللواتي وجدن أنفسهن أمام قرارات مصيرية لم يشاركن في اتخاذها.
ورغم الجهود الحكومية وبرامج التوعية التي تقودها منظمات المجتمع المدني والشركاء الدوليون، لا يزال الطريق طويلاً أمام الحد من ظاهرتي الختان والزواج المبكر، خاصة في المناطق الأكثر هشاشة.
وبالنسبة لشيلا، لم يعد السؤال متعلقاً بما خسرته هي، بل بما إذا كانت ابنتها ستعيش المصير نفسه.
تقول وهي تحتضن طفلتها الصغيرة: “أريد لها أن تدرس. أريدها أن تختار حياتها بنفسها”.
في هذه العبارة البسيطة تختصر شيلا جوهر القضية كلها: حق الفتاة في أن تكبر أولاً، ثم تختار مستقبلها بنفسها.
بنتو صو






