إذا كانت رقمنة المسابقات قد أعادت إلى المواطن شيئًا من الثقة في عدالة الولوج إلى الوظيفة العمومية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: متى تنتقل الرقمنة إلى التعيينات؟
لقد أثبتت التجربة أن التقنية ليست مجرد وسيلة لتسريع الإجراءات، وإنما هي قبل ذلك أداة فعالة لمحاصرة الفساد، وتجفيف منابع المحسوبية، وإخضاع القرار الإداري لمعايير موضوعية لا للأهواء الشخصية. ولذلك فإن نجاح رقمنة المسابقات ينبغي ألا يكون نهاية الطريق، بل بدايته.
فالتعيينات في الوظائف العليا ما تزال، في كثير من الأحيان، منطقةً معتمة لا يعرف المواطن المعايير التي تحكمها، ولا الأسباب التي تجعل هذا يتقدم، وذاك يُستبعد، حتى أصبح الاعتقاد السائد أن الكفاءة ليست دائماً جواز المرور إلى المسؤولية، وأن الوساطة والولاء والعلاقات الشخصية كثيراً ما تتقدم على الخبرة والاختصاص.
ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي يقتضي إنشاء منصة وطنية رقمية للتعيينات، تُدرج فيها جميع الوظائف القيادية، بدءًا بالمستشارين في رئاسة الجمهورية، والوزارة الأولى، والوزارات، مرورًا بوظائف التفتيش والرقابة، والمديرين المركزيين، ورؤساء المصالح، وانتهاءً برؤساء مجالس إدارة المؤسسات والشركات العمومية.
وتُحدد لكل وظيفة معايير دقيقة ومعلنة، يأتي في مقدمتها المؤهل العلمي، والتخصص، والخبرة العملية، والإنجازات المثبتة، والكفاءة القيادية، والتكوين المستمر، والنزاهة المهنية، بحيث تُقيَّم الملفات إلكترونيًا، ويُرتَّب المترشحون وفق مجموع النقاط التي يحصلون عليها، ليكون القرار النهائي مبنيًا على الاستحقاق لا على الانطباعات أو الاعتبارات الشخصية.
إن مثل هذا النظام لن ينتقص من صلاحيات السلطة التنفيذية، بل سيمنحها شرعية أكبر في قراراتها، وسيحمي المسؤول نفسه من سيل الضغوط والوساطات والتوصيات التي تُمارس عليه، لأن معيار الاختيار سيكون واضحًا ومعلنًا للجميع، ولن يجد صاحب النفوذ منفذًا لفرض من لا يستحق.
وسيكون من أهم ثمار هذا الإصلاح أنه سيغلق الباب أمام ظاهرة مؤلمة، تتمثل في إسناد مسؤوليات بالغة الحساسية إلى أشخاص لم يمارسوا من قبل أي عمل إداري أو فني يؤهلهم لقيادتها، وإنما قفزوا إلى مواقع القرار قفزًا، دون تدرج أو تجربة أو تأهيل. وليس في ذلك انتقاص من أي مهنة شريفة، فكل عمل كريم محل احترام، ولكن إدارة المؤسسات العامة علم وخبرة ومسؤولية، وليست ميدانًا للتجريب أو المجاملة.
كما أن رقمنة التعيينات ستحد من تضخم أعداد المستشارين والمكلفين بمهام، وهي وظائف تحولت في بعض الأحيان إلى أبواب للترضيات السياسية أو الاجتماعية أكثر منها أدوات لخدمة الإدارة. وستضع أيضًا معايير واضحة لشغل رئاسة مجالس الإدارة، باعتبارها مسؤوليات تتعلق بحوكمة المال العام، ولا يجوز أن تُمنح إلا لمن يمتلك الكفاءة والخبرة والاستقلالية.
وليس من المبالغة القول إن جزءًا معتبرًا من الاختلالات الإدارية والمالية التي تعانيها بعض المؤسسات يبدأ من تعيين غير المؤهل في المكان غير المناسب؛ فحين تغيب الكفاءة، يحضر الارتجال، وحين يغيب الاختصاص، تتسع دوائر الهدر، ويصبح المال العام نهبًا لسوء التسيير، قبل أن يكون ضحية للفساد المباشر.
إن الدول التي نجحت في بناء إدارات قوية لم تحقق ذلك لأنها تملك ثروات أكبر، وإنما لأنها جعلت الوظيفة العامة حقًا للكفاءة لا امتيازًا للقرب من دوائر القرار. فالعدالة لا تتحقق فقط عند بوابة الولوج إلى الوظيفة، وإنما يجب أن ترافق الموظف في كل مراحل مساره المهني، حتى بلوغه مواقع القيادة.
لقد نجحت موريتانيا في فتح باب مهم من أبواب الإصلاح برقمنة المسابقات، وبقي الباب الأكبر ينتظر أن يُفتح. فحين تصبح التعيينات، كما أصبحت المسابقات، خاضعة لمعايير شفافة ومنظومة رقمية عادلة، سنكون قد وضعنا أحد أهم أسس الدولة الحديثة؛ دولة المؤسسات، لا دولة الأشخاص، ودولة الاستحقاق، لا دولة الامتيازات، ودولة القانون، لا دولة المزاج.
إن الرقمنة الحقيقية ليست تحويل الأوراق إلى شاشات، وإنما تحويل السلطة التقديرية المطلقة إلى عدالة مؤسسية، بحيث لا يكون الطريق إلى المسؤولية هو المعرفة أو الوساطة، بل الكفاءة وحدها. وعندها فقط، يمكن أن يطمئن المواطن إلى أن ثروة الوطن، وإدارته، ومستقبله، أصبحت بين أيدٍ اختارتها الجدارة، لا المصادفة، ولا المحاباة






