sliderالمبتدأ

صراع العلمانيين والإخوان المسلمين.. الحلقة الثانية: من صراع سياسي إلى صراع قبلي

الأستاذ/ أحمد ولد سيدي محمد ولد ميني

خلصنا في الحلقة الأولى من هذا الموضوع إلى أن الصراع بين الإخوان المسلمين والعلمانيين هو صراع سياسي أيديولوجي بحت، وأن لا علاقة له بالمجتمع المدني بقبائله وطرقه وجهاته. فكيف جرى تحويله إلى صراع قبلي يلزم منه الاعتذار من قبيلة إلى أخرى، أو بالأحرى من أحد طرفي القبيلة الواحدة، علماً أن القبائل لا ناقة لها ولا جمل في هذا الصراع؟ وما هي الأهداف والدوافع وراء ذلك، إذا كان لا بد من دوافع وراء السلوك الإنساني، حسب علماء النفس؟

‎يتعين، قبل الإجابة على السؤالين الآنفين، التنويه بأن القبيلة والقبلية ليستا شراً كله كما يحلو للبعض أن يصور؛ فالقبيلة والقبلية نظام اجتماعي تاريخي يلبي حاجات مجموعة من البشر في ظروف تاريخية واقتصادية وجغرافية، إن لم نقل “مورفولوجيا” معينة.
‎وبالتأكيد، فإن تلك الظروف تختلف عن هذه التي تعيشها المجتمعات المعاصرة اليوم، لكنها مباركة في بعض جوانبها لأنها موروثة عن الأجداد وترمز للأصالة. القبيلة رحيمة وقريبة، تحضر حينما تغيب الدولة وتتدخل لصالح الفرد في الأوقات الحرجة التي يكون فيها في أمسّ الحاجة إلى التدخل. فلمَ لا نقول عنها إنها ضرورية في مجتمعات العالم الثالث -وأرجو السماح، فالمصطلح قديم ويكاد يكون متجاوزاً، على أية حال فهو ألطف من المجتمعات المتخلفة أو “الأنتروبولوجية”- في ظل الدولة الوطنية كالتي نعيش؟
‎هذا النظام يقوم على مجموعة من الحقائق كانتساب بعض أفراد القبيلة إلى جد مشترك، وأخرى أسطورية أصبحت حقائق تاريخية بموجب الحيازة التاريخية، كانتساب كل أفراد القبيلة إلى نفس الجد المشترك. فمتى إذن تصبح القبيلة والقبلية مضرة وشراً مستطيراً؟
‎للقبيلة حدود، وبينها وبين السياسة برزخ، وعندما تتجاوز تلك الحدود في اتجاه السياسة ولو لمسافة محدودة، يُدقّ ناقوس الخطر! لقد بدأ حريق الفساد؛ فساد القبيلة والسياسة معاً. خذ مثالاً على ذلك: حينما يكون المجتمع المدني هناك حيث معقله في الخيام والدور، على الدولة أن لا تتدخل، عليها أن تحترم خصوصياته؛ كل ما يقبله البعض للبعض في حدود عدم الاصطدام السافر بالقانون مقبول، هم أحرار.
‎أما عندما يقع اختيار زعيم القبيلة على ولده -ولن يقع اختياره في الغالب الأعم إلا على ابنه وصهره-، ويقدمه ممثلاً وسفيراً للقبيلة يشغل المناصب السياسية والإدارية على غبائه وقلة كفاءته، فهنا تكون القبيلة قد تجاوزت حدودها إلى السياسة ففسدت وأفسدت، لأن ذلك سيكون على حساب شخص آخر ينحدر من أسفل سلم الهرم القبلي، أو على خلاف مع الزعيم، أو يُخشى منه على نفوذه وسلطته ومكانته في القبيلة، ضمن حسابات أخرى عند الزعيم القبلي. ألا يكون هنا قد حرم الدولة والمجتمع من هذه الطاقة المفيدة؟
‎لنعد إلى موضوع تحويل الصراع السياسي بين العلمانيين والإسلاميين إلى صراع قبلي، فقد ذهب بنا الاستطراد بعيداً لأن “الحديث ذو شجون” كما يقال.
‎عندما أراد أحد أعيان القبيلة التي ينحدر منها أحد رأسي الرمح في الصراع محل الحديث، اتصل بأحد الأعيان على الطرف الآخر والذي تربطه به شراكة سياسية محلية قديمة، وعرض عليه مبدأ الاعتذار من طرف أسرة من يُعتقد جانياً، إذا شاء، أو فخذ المعني -في التشكيلة القبلية يسمونه فخذاً- وإن شاء كل القبيلة، فاختار “الأجمع” أي كل القبيلة.
‎بدأ الإعداد لتقديم الاعتذار، ويُفترض أن تكون الخطوة الأولى حسب السياق تشاوراً على مستوى الفخذ بعد الأسرة الضيقة، ثم التشاور على مستوى القبيلة.
‎على كل حال، لم يتم أي شيء من ذلك سوى استشارة بعض الأفراد من أهل الخاصة، بعضهم ندم على ذلك لأن جماعته صرحت بعدم تمثيله إياها. على أية حال، القبائل لها أنظمتها. قد يكون غياب التشاور من قبيل (الديكتاتورية القبلية). نعم! تحدث بعض الأنتروبولوجيين الاستعماريين عن “الديمقراطية القبلية”، فلما لا يوجد النقيض أو تكون بعض القبائل محكومة بديمقراطية وأخرى بديكتاتورية؟ لقد أوسع الأنتروبولوجيون القبيلة والنظام القبلي دراسة وأعطوها حقها.
‎الأسر والقبائل لها أعراف، ومنها تلبية الدعوة أياً كانت من أي كان من أفراد القبيلة، “والموافقة فيما لا إثم فيه”، الأمر هنا يتعلق بالاعتذار وإصلاح ذات البين.
‎المهم، انطلقت جماعة من أحد طرفي القبيلة إلى طرف القبيلة الآخر، لأن الطرفين هما في الحقيقة طرفان لقبيلة واحدة. صحيح أن لكل من الطرفين اسمه الذي يميزه، لكن ذلك لا يغير من الجوهر شيئاً، ففي البحث في الجذور خلف تعدد الأسماء تجد الاسم المشترك للقبيلتين. لكن هذه الانطلاقة كانت بدون من يُعتقد أنه الجاني، والأولى -إذا كان الاعتذار جاداً وليس مجرد مسرحية- أن يأتي الجاني ليقدم اعتذاره للمجني عليه ولكل أفراد قبيلته بل لكل الحضور.
‎يا لله! لكن المجني عليه لم يكن أيضاً ضمن المستقبلين الذين سيتلقون الاعتذار، لا هو ولا أي فرد من عائلته، بل صرح الشخص الذي استضاف جماعة الاعتذار أن هؤلاء -يقصد عائلة المجني عليه- لا ينقمون شيئاً على الجاني ولا على أفراد مجموعته ولا يرون داعياً للاعتذار. من يعتذر لمن؟
‎وأكثر من ذلك فقد طلع الجاني بعد يوم أو يومين ليكرر وبحدة أكثر هذه المرة ما كان سبباً للاعتذار. القبائل لا تعتذر إلا عمن ينصاع لأوامرها ويقف عند أمرها ونهيها، وتتعامل مع من يقوم بالعكس تعاملاً من نوع آخر. لا أريد هنا أن أذكر بظاهرة “الخليع” التي كانت سائدة في العرف القبلي القديم، لأني لا أرضى لأحد مثل ذلك المصير كما لا أرضاه لنفسي.
‎القبائل بطبعها الجمعي لا تمارس المسرحيات فهي جادة ومسؤولة، حتى ولو كانت جادة في الاعتذار وقبله الطرف القبلي الموجه إليه، فهل يقبله وبشكل آلي وأوتوماتيكي التنظيم العالمي للإخوان المسلمين بفرعه المحلي؟ يكشف هذا السؤال جانباً من جوانب عبثية تحويل صراع سياسي إلى صراع قبلي.
‎بقي أن نقيم هذا المسعى لرأب الصدع الوهمي بين طرفين قبليين دون أن يوصف بالمسرحي أو العبثي. وهنا لا بد من التنبيه إلى نتائجه الكارثية على القبيلتين، ولتكن البداية بالقبيلة صاحبة المبادرة.
‎صدر بيان حول بعض من حضروا باسم أفخاذهم، وهي الصفة التي حرصوا على الظهور بها في كل الاجتماعات القبلية المشابهة في نواكشوط، بعدم تمثيلهم لهذه الأفخاذ، وقد كانوا في غنى عن ذلك.
‎احتج بعض ممثلي هذه القبيلة على الترتيبات التي اكتنفت التحضير للمبادرة وعبروا عن ذلك. احتج ثلثا القبيلة ممثلين لجزئها الأسمر على عدم التمثيل، مذكرين بأن الحرية إذا كانت حقيقية يجب تجسيدها، وإذا لم تكن كذلك فيجب إعلان الأمر، لا داعي للعبة التخفي والتستر وراء الشعارات الزائفة.
‎أما القبيلة المضيفة للاجتماع فقد لوحظ غياب ومقاطعة مكونات مهمة منها، وقد رفعت بعض هذه المكونات صوتها بالتعبير عن رفضها واستهجانها للمبادرة.
‎أين كان رجل الأعمال (الناجح) هذا الذي يُعد واجهة مالية وسياسية للقبيلة؟ ما معنى كتابات وتغريدات هؤلاء الأطر الرافضة لها أيضاً؟
‎بالمختصر المفيد، لا يُعد مبالغة القول بأن هذه المبادرة فشلت في كل شيء سوى تفجير القبيلتين، وذلك نتيجة تحويل الصراع من طبيعته السياسية وتمويهه قبلياً. كم كانت عملية التمويه هذه مضرة! وفي هذا الجانب من الصراع لا بد من تخصيص كلمة ولو مختصرة لتعاطي الدولة ممثلة في الحكومة وفي وزارة الداخلية بالذات.
‎قبل سنوات قليلة طالعتنا وزارة الداخلية بقانون أو تعميم يحظر الاجتماعات القبلية، وقبل سنة تقريباً تناول رئيس الجمهورية موضوع القبيلة والخطاب القبلي بالتنديد، فأقام المواطنون مأتماً للقبيلة والقبلية واعتبروها شيئاً من عداد الماضي، فلماذا يُشرع هذا الاجتماع القبلي ويُبارك؟ هل يعني هذا وجود أشخاص فوق القانون، أم أن الأمر من قبيل فعلة الشفيع الذي يأتي عرياناً حسب تعبير الشاعر الفرزدق؟
‎آفة القوانين تطبيقها على البعض دون البعض. مقولة تتردد على كل لسان مهما كان جهله بالقانون، كلمة متواترة يرددها الجميع: “لا أحد فوق القانون”.
‎لا أريد هنا الدعوة لقراءة كتاب “منتسكيو” (روح القوانين) ولا إلى الوقوف عند مبدئه المشهور (فصل السلطات)، كما لا أدعو إلى الاعتكاف على دراسة كتاب (العقد الاجتماعي) لجان جاك روسو، ولا (اللوفيتان) لتوماس هوبز، ولكن أدعو للاحتفاظ ببعض الحياء والابتعاد عن التناقض، والتسامي إلى روح المسؤولية في ممارسة السلطة؛ وإلا فلا داعي لعناء تجشّم الاهتمام بالشأن العام -ألزموا بيوتكم جزاكم الله خيراً- مثل عامة الناس.
‎بعد ما اتضح أن الصراع صراع سياسي وبعد توضيح كيفية تحويله إلى صراع قبلي، تبقى مسألة أخرى لا بد أن تحظى باهتمام الساسة والرأي العام دون شك: هي الاصطفاف في الصراع، وكيف ستصطف القوى الوطنية والقومية وتأخذ مواقعها في هذا الصراع؟
‎يتواصل.

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى