
تحت يافطة “الصناعة الوطنية” البراقة، تُمرَّر اليوم كثير من المغالطات التي تستنزف جيوب المواطنين بلا رحمة. فهل تحوَّل مجرد استيراد المواد الخام، ثم خلطها وتعبئتها في أكياس تحمل شعار شركة محلية، إلى إنجاز صناعي يبيح لأصحابه احتكار السوق والتحكم في أرزاق الناس؟ وكيف باتت هذه الشماعة مبررًا ساذجًا لرفع الأسعار محليًا، حتى تجاوزت بأشواط ما تشهده أسواق دول الجوار؟ إن المنطق الاقتصادي السليم يفترض أن الإنتاج المحلي وُجد ليخفف العبء عن كاهل المستهلك، بفضل توفير تكاليف النقل والرسوم الجمركية، لا أن يتحول إلى سيف مسلط على رقبته، وجبايةٍ إجبارية تُدفع لصالح قلة من المنتفعين.
ومن المثير للاستغراب حقًا هذه الازدواجية الفجة في التعاطي مع الأسواق؛ فبينما نرى زراعة الأرز المحلي وصناعة الألبان الوطنية تتعايشان في منافسة مشروعة مع المنتجات المستوردة، تاركتين للمواطن حرية الاختيار والمفاضلة بناءً على الجودة والسعر، يقف الإسمنت استثناءً مريبًا وقاعدة شاذة لا تجد لها مبررًا مقنعًا. فرغم كونه مادة أساسية لا غنى عنها، وشريانًا رئيسيًا لأي نهضة تنموية، فإنه يرزح تحت وطأة احتكار بشع وارتفاع مذهل في الأسعار. وهذا الوضع الشاذ يحتم، وبشكل عاجل، فتح الباب على مصراعيه لاستيراد هذه المادة الاستراتيجية، وكسر القيود التي تخنق السوق وتصادر حق المواطن في البناء والتعمير.
وهنا يبرز التساؤل المرير الذي يتهرب منه المحتكرون: هل التضحية بمصالح وحقوق مئات الآلاف من المواطنين، وخنق حلمهم البسيط في امتلاك مسكن يؤويهم، أهون من التضحية برواتب عشرات من العاملين في شركات طالما امتصت دماء المستهلكين واستنزفت مدخراتهم على مدى عقود؟ إن محاولة التستر خلف حجة “حماية الوظائف” هي كلمة حق يُراد بها باطل، فالاقتصاد لا يُبنى على مجاملة الشركات على حساب الشعوب.
إن المعادلة واضحة ولا تقبل القسمة على اثنين؛ فالصناعة المحلية التي تعجز عن تقديم منتج بأسعار تنافسية تقل عن تكلفة الاستيراد، هي في حقيقتها عبء اقتصادي ثقيل، وصناعة طفيلية ضررها أكبر بكثير من نفعها. ومن ثم، فإن رفع الحماية عنها، أو إعادة النظر في الامتيازات التي تتمتع بها، لم يعد ترفًا، بل ضرورة ملحة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. إن غلاء أسعار الإسمنت الفاحش اليوم يقف حجر عثرة في وجه أي تطور عمراني، ويجعل من البناء حلمًا بعيد المنال لا يقوى عليه إلا القلة، تاركًا الغالبية العظمى رهينة لجشع المحتكرين الذين يبيعون الوهم ويتسترون بعباءة الوطنية.
#أباه محمد جدو ابن لعصابه






