sliderالمبتدأ

قراءة في هندسة التواصل الرئاسي

د. محمد عالي الهاشمي

بصفتي أكاديمياً ومراقباً حضر فعاليات المؤتمر الصحفي لفخامة رئيس الجمهورية في رحاب القصر الرئاسي، والذي امتد لثلاث ساعات وخمس وأربعين دقيقة من العمل الدؤوب والنقاش الجاد، يتجسد أمامي نموذج فريد لما يُطلق عليه في علوم الاتصال السياسي “التواصل التفاعلي عالي الكثافة” (High-Intensity Interactive Communication).
لقد مثّل هذا المؤتمر حدثاً مفصلياً يعكس نضجاً مؤسسياً في إدارة الفضاء العام، وهو ما يمكن تحليله من خلال أبعاد علمية وموضوعية عدة:
أولاً: التنظيم المحكم وهندسة الفضاء الديمقراطي
على الصعيد التنظيمي، أبان الفريق المشرف عن احترافية عالية تعكس إدراكاً عميقاً لمفهوم “الإدارة الاستراتيجية للأحداث الكبرى”. فقد تميز الحضور بتنوع ثري وفسيفساء فكرية وسياسية وثقافية متكاملة، جسدت بامتياز مفهوم “المجال العمومي” (Public Sphere) كما طرحه الفيلسوف يورغن هابرماس، حيث تتفاعل الآراء وتتقاطع الرؤى في بيئة تتسع للجميع.
كما أثبت الزملاء الصحفيون والإعلاميون الحاضرون علو كعبهم في المهنية، والالتزام بالأخلاقيات، والانضباط النموذجي؛ فكانت الأسئلة المطروحة مرآة صادقة لنبض الشارع، وتعبيراً موضوعياً عن انشغالات الرأي العام والساحة الوطنية، مبتعدة عن السطحية، وواضعة الإصبع على مكمن الحقيقة.
ثانياً: العمق المعرفي والسيادة الذهنية لرئيس الجمهورية
أما على مستوى المضمون، فقد تجلت في إجابات فخامة الرئيس “المرجعية المعرفية الشاملة” (Comprehensive Epistemic Authority). لم تكن الردود مجرد إجابات تقليدية، بل كانت تحليلات عميقة لشخص ملم إلماماً دقيقاً بمجريات الأمور، تتقاطع فيها الدقة الإدارية مع الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى.
لقد أصَّل الرئيس في إجاباته القضايا الكبرى بأسلوب يتسم بـ “البلاغة الإدراكية” (Cognitive Eloquence)، مستحضراً تفاصيل الدقائق وكليات المشهد الوطني ببراعة تذكرنا بقول الفيلسوف رينيه ديكارت: “من يمتلك وضوح الأفكار يمتلك القدرة على الإقناع”. فكانت إجاباته شافية وافية، تجمع بين رصانة الفكر السياسي وسلامة الطرح الأكاديمي.
ثالثاً: الأريحية الإنسانية والدبلوماسية الناعمة
إلى جانب العمق المؤسسي، تميز المؤتمر ببعد إنساني رفيع تجسد في الأريحية البالغة التي طبعت سلوك الرئيس، وتلقائيته المحببة، وممازحته اللطيفة لبعض الحاضرين، فضلاً عن سلاسة اللغة ويسر تبسيط المعلومات المعقدة.
هذا الأسلوب يندرج ضمن ما يُعرف في علم النفس السياسي بـ “القيادة الكاريزمية المندمجة” (Integrated Charismatic Leadership)، التي تكسر الجليد بين الحاكم والمحكوم وتضفي طابعاً من القرب الإنساني، وهو ما جعل هذا المؤتمر يرتقي إلى مصاف قمة الرقي في فنون التواصل الإنساني والسياسي.

خاطرة ختامية:
إن تتبعنا لهذا المارثون الاتصالي (3 ساعات و45 دقيقة) يثبت أننا أمام مقاربة حكم جديدة، تؤسس للشفافية المطلقة، وتُعلي من شأن الحوار الهادئ والمسؤول.
(وفي الختام، يطيب لي توثيق هذه اللحظة التي جمعتني في إطار هذا الحدث الراقي بفخامة رئيس الجمهورية، وبجانبي أخي العزيز تقي الله الأدهم، في مشهد يختزل روح الألفة والاحترافية التي ميزت هذه المحطة الوطنية البارزة).

د. محمد عالي الهاشمي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى