sliderالمبتدأ

الساحل والصحراء بركان لا يعرف الخمود

كتب: محمدن أيب أيب

ليس الساحل الإفريقي هذه الأيام سوى أرضٍ تتنفس على إيقاع الانفجارات، وتستيقظ كل صباح على خبرٍ جديد من أخبار الدم والنار،
من مالي إلى النيجر، تتسع رقعة الاضطراب، وتتداخل خطوط المواجهة، وتظهر الجماعات المسلحة بقدرة متزايدة على نقل المعركة من موقع إلى آخر، مستفيدةً من هشاشة الحدود واتساع الجغرافيا، تعقيدا للمشهد الأمني والسياسي، في دول الساحل،

وفي أحدث فصول هذا التصعيد، أعلنت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أنها تمكنت من صدّ تقدم لقوات روسية شمال مدينة نيونو، وهو ما أسفر عن خسائر في الجانب الروسي، وقالت الجماعة أنها استخدمت خلالها طائرات مسيّرة «درون»؛ بعضها حمل قنابل لتنفيذ الهجوم، وبعضها الآخر خُصص للاستطلاع والكشف ورصد تحركات القوات.

وليس اختيار هذه المنطقة عابراً في دلالته العسكرية؛ فمنطقة نيونو تضم عدداً من التمركزات والمنشآت العسكرية، من بينها قاعدة جيبالي الواقعة في أطراف مدينة دوغفري، وهي قاعدة ارتبط اسمها بأحداث دامية منذ أكثر من عقد.

ففي منتصف عام 2012، قُتل في هذه القاعدة أفراد من جماعة الدعوة والتبليغ، قبل أن تعود القاعدة نفسها إلى واجهة الأحداث في نهاية العام ذاته ومطلع عام 2013، حين هاجمها الجزائري عبد الحميد أبو زيد، أحد أبرز قادة تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي آنذاك.

لهذ؛ استخدام المسيّرات في صدّ التقدم، يكشف عن تحول آخر في طبيعة الحرب الساحلية؛ إذ لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد تقنية عسكرية حصرية بيد الجيوش النظامية، بل أصبحت أداة تدخل تدريجياً في ترسانة الجماعات المسلحة، لتمنحها قدرة أكبر على الاستطلاع، وتحديد الأهداف، ومهاجمة التمركزات من مسافات بعيدة.

وهنا تكمن إحدى أخطر مفارقات الحرب الجديدة في الساحل:

التكنولوجيا الحديثة تدخل إلى أكثر البيئات العسكرية بدائية واضطراباً، فتمنح الجماعات غير النظامية أدوات كانت، حتى وقت قريب، حكراً على المؤسسات العسكرية النظامية.

والبركان لا يتوقف عند مالي

وبينما كانت مالي تشهد هذه التطورات، كانت النيجر بدورها تستقبل أخباراً دامية من جبهاتها الغربية والجنوبية الغربية.

فقد أعلن تنظيم الدولة الإسلامية – ولاية الساحل، المعروف إعلامياً باسم «داعش إفريقيا»، مسؤوليته عن هجومين قال إنهما أسفرا عن مقتل 39 عنصراً من القوات النيجرية وإحراق آليتين عسكريتين.

وبحسب الرواية التي نشرها ديوان الإعلام التابع للتنظيم، استهدف الهجوم الأول تمركزاً للقوات النيجرية بالقرب من بلدة بيرني نكوني في إقليم طاوة، حيث قال التنظيم إن مقاتليه قتلوا عشرين جندياً وأصابوا آخرين، وأحرقوا آليات عسكرية، قبل أن يستولوا على 21 رشاشاً متنوعاً وعددا من القذائف الصاروخية.

ولم يكن ذلك سوى الفصل الأول.

ففي اليوم نفسه، أعلن التنظيم تنفيذ كمين لدورية تابعة للجيش النيجري بالقرب من قرية أبالا في إقليم تيلابيري، وقال إن الكمين أوقع 19 جندياً قتيلاً وأصاب آخرين، وانتهى بالاستيلاء على 11 رشاشاً متنوعاً، قبل انسحاب المهاجمين إلى قواعدهم.

هذه الأرقام، بطبيعة الحال، تبقى حصيلة معلنة من جانب التنظيم نفسه، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية ما لم تؤيدها بيانات رسمية أو مصادر مستقلة ميدانية. غير أن أهمية هذه الهجمات لا تتوقف على الرقم؛ فمجرد قدرة التنظيم على الإعلان عن عمليات متزامنة في مناطق مختلفة يكشف عن استمرار حضوره العملياتي في مساحة واسعة من الساحل.

النيجر… دولة تحاصرها الجغرافيا والنار

ولعل النيجر تمثل، بصورة صارخة، المأزق الذي تعيشه دول الساحل.

فهي دولة حبيسة، واسعة المساحة، شاسعة الحدود، تتقاطع حولها بؤر الاضطراب من جهات عدة. ومن الغرب تأتيها تداعيات الحرب في مالي، وسيطرة تنظيم الدولة على حيز جغرافي، يمتد من تيلابيري غرب النيجر إلى ولاية مينكا، في أقصى شرق إقليم أزواد،
ومن الجنوب الغربي يمتد النشاط المسلح المتصل ، بكتيبة حنيفة التابعة لنصرة الإسلام والمسلمين،
وتتحر الجماعات الجهادية من منطقة بحيرة تشاد، في فضاء حدودي لا تعترف تضاريسه ولا مسالكه الصحراوية بالحدود السياسية التي رسمتها الخرائط.

وهكذا تصبح الحدود الطويلة، التي يفترض أن تكون خطوطاً فاصلة بين الدول، جسوراً للجماعتين الجهاديتين،

وفي مثل هذه البيئة، لا تكفي قوة السلاح وحدها؛ لأن الجغرافيا نفسها تصبح طرفاً في المعركة.

الصحراء تمنح المهاجم مجالاً واسعاً للمناورة، والحدود المفتوحة نسبياً تسمح بالتحرك والانسحاب، واتساع رقعة العمليات يجعل حماية كل موقع عسكري وكل طريق وكل قرية مهمة شبه مستحيلة.

ولهذا فإن ما يجري في النيجر لا يمكن فصله عن المشهد الأكبر في الساحل؛ فالمعركة لم تعد محصورة في جماعة ودولة، ولا في حدود بلد واحد، وإنما أصبحت شبكة متداخلة من الجماعات والمناطق ومسارات الإمداد والحدود.

#بركان يتغير شكلُه
لقد تغيّر شكل الحرب في الساحل بصورة واضحة.

فالجماعات المسلحة لم تعد تعتمد فقط على الكمائن التقليدية والهجمات الخاطفة، بل بدأت تستفيد من وسائل أكثر تطوراً، في مقدمتها الطائرات المسيّرة، بينما تتسع قدرتها على مراقبة تحركات القوات واستهداف مواقعها.

وفي المقابل، تجد الجيوش نفسها أمام عدو لا يملك مراكز قيادة ثابتة بالضرورة، ولا يتحرك وفق جبهة عسكرية تقليدية، ولا يمنح خصمه فرصة واضحة لمعرفة أين تبدأ المعركة وأين تنتهي.

إنها حرب بلا جبهة واضحة.

وقد يكون هذا تحديداً هو أخطر ما في بركان الساحل: أن حممه لا تخرج من فوهة واحدة.

تارةً تتفجر في مالي، وتارةً في تيلابيري، وتارةً في طاوة، ثم تنتقل آثارها إلى الحدود والممرات والقرى والأسواق والطرق، حتى يبدو المشهد كله وكأنه ساحة واحدة، وإن اختلفت أسماء الجماعات وتباينت شعاراتها وتعددت القوى التي تقف في مواجهتها.

وكلما اتسعت دائرة النار، أصبح من الصعب النظر إلى كل حادثة باعتبارها حادثة منفردة.

#الساحل أمام اختبار جديد
إن التصعيد الأخير في مالي والنيجر يضع منطقة الساحل أمام اختبار جديد، ليس عسكرياً فحسب، بل سياسياً وأمنياً واستراتيجياً أيضاً.

فكل هجوم ناجح، وكل كمين محكم، وكل موقع عسكري يسقط أو يُخترق، لا يعني فقط خسارة في الأرواح أو العتاد؛ بل يبعث برسالة إلى بقية الجماعات المسلحة وإلى السكان المحليين وإلى الدول المجاورة حول حدود قدرة الدولة على فرض الأمن في أطرافها.

وفي المقابل، فإن التعامل مع هذه التطورات بمنطق عسكري صرف قد لا يكون كافياً لإخماد جذور الأزمة؛ لأن ظاهرة العنف في الساحل ترتبط، إلى جانب العامل العسكري، بتشابكات سياسية واقتصادية واجتماعية وحدودية عميقة.

ولهذا فإن السؤال لم يعد: أين سيقع الهجوم القادم؟

بل أصبح السؤال الأوسع والأخطر:

إلى أين يتجه بركان الساحل إذا ظلت فوهاته المتعددة مفتوحة؟

فالساحل الذي يشتعل في مالي لا يظل بالضرورة داخل مالي، والنار التي تندلع في تيلابيري لا تضمن حدود النيجر. وفي منطقة تتداخل فيها الصحارى والحدود والجماعات والمصالح، قد يكون ما يبدو حادثاً محلياً اليوم مقدمةً لتحول إقليمي غداً.

إن بركان الساحل لا يخبرنا دائماً بموعد ثورانه، لكنه يترك قبل كل ثورة إشاراته في الرماد المتطاير.

والذي يحدث الآن في نيونو وطاوة وتيلابيري ليس مجرد أخبار متناثرة على خرائط متباعدة؛ إنه فصل جديد من حكاية منطقة لم تهدأ نيرانها بعد، وما تزال تبحث عن طريق يخرج بها من دائرة الحرب إلى فضاء الدولة والأمن والاستقرار.

وعندما ينشط بركان الساحل، فإن السؤال الحقيقي ليس أين سقطت الحمم، بل إلى أي مدى يمكن أن تمتدّ النار.

حل المعضلة الأمنية، يبدأ بحل أزمة إقليم أزواد،

محمدن أيب أيب

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى