sliderالمبتدأ

بين الاعتراف والإنكار: هل بلغنا عصر الجحود المطلق؟

في مجتمعات تتقاذفنا رياح التغيير، يبقى الميزان بين الاعتراف بالفضل والإنكار الراديكالي في حالة تأرجح دائم. نحن نعيش زمناً يبدو فيه أن الاعتراف بأي إنجاز بات تهمة، والتشبث بالنقد المطلق أصبح فضيلة عند البعض. فهل بلغنا حقًا ذلك اليوم الذي يفر فيه المرء من الإقرار بأي معروف، ويؤثر النكران على الإنصاف؟

لا جدال أن بلادنا تعاني من نواقص لا تحصى، وأن العقبات التي تعترض طريق التنمية لا تزال كثيرة ومتعددة الوجوه، ولكن في الوقت ذاته، هناك إنجازات تحققت، وخطوات، ولو متعثرة، قد خُطيت نحو مستقبل أفضل. بيد أن البعض يفضل أن يغمض عينيه عن كل ضوء، وأن يسود رؤيته لكل شيء، وكأن لا شيء قد تحقق، وكأن كل جهد يُبذل مجرد -هباء منثورا-.

الإنكار الراديكالي ظاهرة لم تولد اليوم، لكنها بلغت ذروتها في زمننا هذا، حيث بات الاعتراف بأي إيجابية يُحسب على صاحبه كنوع من التواطؤ، وأصبح كل من يرى النصف الممتلئ من الكوب متهمًا إما بالنفاق أو بالجهل. لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا: أي مستقبل يمكن أن يُبنى على أساس من الجحود؟ وأي نهضة يمكن أن تُشيّد على أرضية من الإنكار التام؟

إن العدل في الحكم على الواقع يقتضي أن نبصر الأمور بعينين مفتوحتين، لا بعين واحدة ترى العيوب فحسب. النقد مطلوب، بل هو واجب، ولكن شريطة أن يكون نقدًا منصفًا، مبنيًا على حقائق، لا على مشاعر الإحباط وحدها. لا يمكن أن ننكر أن هناك أخطاء، لكنها أخطاء لا تلغي ما تحقق من تقدم، وإن كان بطيئًا.

اليوم، نحن أمام مسؤولية أخلاقية ووطنية: أن نكون صادقين في تقييمنا للأوضاع، لا أن نميل إلى الإفراط في السوداوية، ولا أن نُغرق في المديح الأجوف. أن نقول للمحسن أحسنت، وللمسيء أسأت، بميزان لا يحيد عن العدل. لأن الاعتراف بإنجازات الوطن لا يعني التستر على عيوبه، كما أن انتقاد الواقع لا يجب أن يتحول إلى جحود مطلق.

لعل أكثر ما يحتاجه بلدنا اليوم هو عقلانية في النظرة، واتزان في الموقف، حتى لا نكون أسرى لموجة عابرة من التشاؤم، ولا سجناء لخطاب يرفض أن يرى شيئًا غير السواد. فالتاريخ لا يذكر أولئك الذين انتقدوا لمجرد النقد، بل يخلّد الذين أنصفوا، واعترفوا، وانتقدوا بحب، لأنهم كانوا يسعون للبناء، لا للهدم’ فاسعوا إلى بناء بلدكم ومايوحد جهودكم وكونوا عباد الله منصفين.
سيدي محمد دباد
05/03/2025

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى