بعد عامين.. هل انتهى أمر الخلافة العامة للطريقة القادرية بالنمجاط؟..(الحلقة1)
أحمد باب خراشي
تعتبر حضرة النمجاط القادرية الصوفية إحدى أبرز الحضرات الصوفية بموريتانيا، حيث تأسست على يد مؤسسها الشيخ سعد أبيه ابن الشيخ محم دفاضل ابن مامين الإدريسي القلقمي الشريف خلال القرن التاسع عشر ميلادي، ومنذ تأسيسها إلى اليوم ظلت تلك الحضرة قبلة للزوار والمحبين والمريدين من داخل موريتانيا وخارجها، كما ظلت برسالتها الروحية مصدر إلهام وتوجيه للعديد من الحضرات ذات السند المتصل بها.
في العام 1917م انتقلت صورة الشيخ سعدأبيه إلى بارئها، بعد أن أوصى بمبايعة خليفته الأول إبنه البكر الشيخ الخليفة ابن الشيخ سعدأبيه الذي نصب بعد وفاته خليفة لمدة ليست طويلة، ليأتي من بعده الخليفة الثاني للشيخ سعدأبيه الشيخ سيداتي ابن الشيخ سعدأبيه الذي أمضى عدة سنوات في خلافة والده، ثم من بعد ذلك شقيقه الخليفة الثالث الشيخ الطالب بوي الذي بايعه إخوته الثلاثة المتبقين يومها من أبناء الشيخ سعدأبيه ونصبوه خليفة لوالدهم.
تعتبر فترة تولي الشيخ الطالب بوي ابن الشيخ سعدأبيه للخلافة هي أطول فترة قضاها أحد أبناء الشيخ سعدأبيه حيث تولاها في ثلاثينات القرن الماضي إلى حين وفاته سنة 1964م، وقد عمل الشيخ الطالب بوي أيام توليه للخلافة على توطيد العلاقات الدبلوماسية مع محيطه الإقليمي ووضع أولى المعالم العمرانية بمدينة النمجاط، كما وضع نظاما جديدا لمشيخة والده وجعلها تكتسي طابعا إقليميا، وأسس نظاما داخليا مكنه من تنظيم المريدين وضبط علاقات المشيخة التي لم يكن تولي مسؤوليتها بالأمر البسيط، كما أسس موسم النمجاط الديني والروحي السنوي الذي نظمه لأول مرة سنة 1949م.
أوصى الشيخ الطالب بوي قبل وفاته بمبايعة إبنه الأكبر الشيخ سيداتي ولد الشيخ الطالب بوي الملقب بالغوث لدهم، الذي بويع بعد وفاة والده ونصب خليفة عاما للطريقة القادرية في غرب إفريقيا (1964 ـ 1987) كان الشيخ سيداتي رحمه الله أحد أبرز خلفاء النمجاط وقد أمضى 23 سنة في الخلافة، ليأتي من بعده شقيقه الشيخ محمد ملعينين ولد الشيخ الطالب بوي (1987 ـ 1992) الذي أمضى خمس سنوات فقط.
مع تولي الشيخ محمد ملعينين ولد الشيخ الطالب بوي الخلافة في النمجاط بدأت تتضح معالم استقرار الخلافة وحصرها في أسرة أهل الشيخ الطالب بوي، بعد أن تولى الخلافة من بعده آخر أشقائه وهو الشيخ سعدبوه ولد الشيخ الطالب بوي الملقب بشيخنا اطفيل (1992 ـ 1998)، الذي لم يمضي سوى سنوات قليلة حيث ظهر أول خلاف داخلي بعد وفاته داخل المشيخة، بويع الشيخ بونن ولد الشيخ الطالب بوي بعد رحيل شيخنا اطفيل ودخل النمجاط في مرحلة جديدة.
كان الشيخ بونن ولد الشيخ الطالب بوي هو الأسن من بين أبناء الشيخ الطالب بوي وعلى ذلك الأساس تمت مبايعته خليفة في النمجاط، لكن بعض إخوته بايع شقيقه الأصغر الشيخ عبدالعزيز ولد الشيخ الطالب بوي الذي نصب نفسه خليفة عام للطريقة القادرية واتخذ من مدينة تييس مركزا في السينغال والتي كانت معقلا له، وظل بها حيث كان ينظم الأنشطة وتقضى على يده الحاجات للناس إلى أن توفي سنة 2007م ودفن بالنمجاط.
تولى الشيخ بونن ولد الشيخ الطالب بوي (1998 ـ 2016) الخلافة العامة للطريقة القادرية في غرب إفريقيا مدة 18 سنة، وقد بايعه الجميع وظل بالنمجاط حتى آخر أيام حياته، بعد وفاة الشيخ بونن ولد الشيخ الطالب بوي تولى الخلافة في النمجاط شقيقه وهو آخر أحفاد الشيخ سعدأبيه يومها وآخر أبناء الشيخ الطالب بوي، الشيخ آياه ولد الشيخ الطالب بوي (2016 ـ 2022) وأصبح خليفة عاما للطريقة القادرية في غرب إفريقيا، ظل الشيخ آياه خليفة بالإجماع في النمجاط إلى أن رحل تاركا ورائه فراغا واسعا وحزنا عميقا مثل الذين سبقوه.
لم تكن فترة الشيخ آياه وهو الخليفة الثامن للطريقة القادرية في غرب إفريقيا بالطويلة، لكنها كانت بداية تحول فعلي وحضور سياسي و إعلامي كبير وتمثيل دائم للنمجاط على المستوى الوطني، كما شهدت انفتاحا كبيرا وعملا ظل مستمرا على تطوير العاصمة الروحية للطريقة القادرية وتمثيلها حتى النهاية.
رحل الشيخ آياه ولد الشيخ الطالب بوي ولد الشيخ سعدبوه قبل عامين من الآن، وأعلن إبنه البكر الشيخ عبدالعزيز الحداد لمدة أربعين يوما كما أعلن عن توليه تسيير شؤون الخلافة في النمجاط مؤقتا إلى حين انتخاب خليفة عام للأسرة، وخلال عيد الفطر وبتدخل من والي ولاية اترارزة، حصل إجماع على تقديم الشيخ سعدبوه ولد الشيخ محمد تقي الله ولد الشيخ الخليفة لإمامة المصلين في صلاة عيد الفطر بصفته الأسن من بين الجميع، وقد صلى الجميع خلفه وسارت الأمور كما خطط لها.
يومها ظهر على السطح خلاف حاد حول اختيار خليفة جامع للنمجاط، اتضح فيما بعد أنه سيتشعب ويأخذ أبعادا أخرى، وقتها أرسلت الدولة الموريتانية لجنة ضمت عدة شخصيات دينية واجتماعية وسياسية وازنة إلى النمجاط، وقد عقدت هذه اللجنة اجتماعات لعدة أشهر والتقت بمختلف الأقطاب المتنافسة، وحسب بعض المصادر فإن اللجنة اعتمدت أسرة أهل الشيخ الطالب بوي وحدها كوجهة مخولة بالبت في موضوع الخلافة بالنمجاط.
خلال تلك المرحلة بدأت تتشكل ما يسمى بجماعة الأكابر وهم مجموعة تضم جميع أكابر أسر أهل الشيخ سعدبوه ما عدى أسرة أهل الشيخ الطالب بوي، في الوقت ذاته خولت اللجنة المبعوثة من الدولة جميع أُسَر أهل الشيخ الطالب بوي ودعتهم إلى انتخاب خليفة، حينها بادرت جماعة الأكابر بتقديم ومبايعة الشيخ سعدبوه ولد الشيخ محمد تقي الله ولد الشيخ الخليفة وهو الأسن من بين عامة أهل الشيخ سعدبوه ونصبته خليفة عاما في النمجاط.
تحرك بعض مشايخ أسرة أهل الشيخ الطالب بوي واجتمعوا لانتخاب خليفة عام للنمجاط، تقدم لهذا المنصب عميد الأسرة شيخنا ولد الشيخ محمد ملعينين ولد الشيخ الطالب بوي، كما تقدم له الشيخ سيدالخير ولد الشيخ بونن ولد الشيخ الطالب بوي، وقد أعلن حينها الشيخ النعمة ولد الشيخ عبدالعزيز ولد الشيخ الطالب بوي بالسينغال أنه الخليفة العام للطريقة القادرية، واحتفظ الشيخ عبدالعزيز ولد الشيخ آياه ولد الشيخ الطالب بوي بدعوته إلى الإجماع على شخص واحد ولم يخفي ذلك الحين عدم رغبته في الترشح لمنصب الخليفة.
وفي اجتماع غير بعيد من ذلك التاريخ وبشكل مفاجئ بعد أن انتخبته الأغلبية حسب ما ورد في بيان أصدرته جماعته أوردت فيه أن اللجنة اعتمده خليفة، ارتدى الشيخ سيدالخير ولد الشيخ بونن عمامة الشيخ سعدأبيه المعروفة ومسك عصاه حيث كان يحتفظ بهما إضافة إلى كافة مقتنياته والوثائق وجميع الموروث المادي، وذلك بحضور غالبية أسر أهل الشيخ الطالب بوي الذين انتخبوه وقتها على أساس الكفاءة حسب ما أكدوا، وأعلن ابن عمه شيخنا ولد محمد ملعنين في نفس الوقت تنصيب نفسه خليفة بصفته الأسن في أسرة أهل الشيخ الطالب بوي ولد الشيخ سعدبوه وقد دعمه البداية بعض أفراد أسرتهم قبل أن يتخلوا عنه.
اتخذت الدولة الموريتانية موقف الحياد يومها واتضح من جديد أن الأمر ليس بالسهل، وظلت متفرجة إلى جانب المشيخات الصوفية والمجموعات السياسية والاجتماعية المحلية التي التزم أغلبها الحياد في هذا النزاع الأسري الخاص، كما ظلت بعض وسائل الإعلام ملتزمة الحياد في الوقت الذي انحازت فيه مؤسسات لبعض الأطراف.
حافظت السلطات الموريتانية على بسط الأمن وتعزيز وجود وحداتها الأمنية بالنمجاط خلال موسمه الديني السنوي الذي نظم هذا العام للمرة الثالثة، في ظل شغور منصب الخليفة العام، وفرضت الدولة عدم إقامة صلاة عيد الفطر في باحة المسجد الجامع بالمدينة لمدة سنتين ظل خلالهما كل من هذه الأطراف يخلد الذكرى ويقيم صلاة عيد الفطر على انفراد بعيدا عن وسط المدينة حيث كانت تقام صلاة واحدة.
مع بداية سنة 2023م شهد النمجاط تدشين العديد من المنشآت الصحية والتعليمية والخدمية استمرت حتى هذا العام من أبرزهم جامع النمجاط الكبير ونقطته الصحية ومدرسته الإبتدائية وإنارة الشارع الرئيسي وإعادة تأهيل الطريق وزيادتها باتجاه المقبرة، وذلك بإشراف وتمويل مباشر من جمعية الشيخ آياه الخيرية التي أسسها أبناء الخليفة الراحل الشيخ آياه ولد الشيخ الطالب بعد رحيله.
بعد سنتين من عدم الإجماع على شخص واحد لشغل منصب الخليفة العام للطريقة القادرية، دخل على الخط ما يعرف اليوم بجناح أهل الشيخ آياه، حيث برز بقيادة الشيخ عبدالعزيز ولد الشيخ آياه، والذي استقطب العديد من الشخصيات إلى صفه بدعم غير مسبوق من شقيقته الشيخ العزة بنت الشيخ آياه الداعمة الرئيسية لجمعية الشيخ آياه الخيرية ذاتية التمويل وشقيقه الشيخ الطالب بوي ولد الشيخ آياه إلى جانب العديد من الشباب والشخصيات السياسية ورجال الأعمال.
قام هذا الجناح بتنصيب الشيخ عبدالعزيز ولد الشيخ آياه ومبايعته كخليفة عام للطريقة القادرية، وظهر الشيخ عبدالعزيز في أول خرجة إعلامية له بعد ذلك خلال مهرجان سياسي في النمجاط أكد خلاله دعمه للرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني وتعهد بتقديم مزيد من الإنجزات لساكنة النمجاط، كما تعهد بخدمة الطريقة القادرية في كل مكان، وبعد الإعلان عن تنصيبه استقبل بمنزله مئات الوفود والشخصيات الاجتماعية والدينية والسياسية والدبلوماسية أتوا لتقديم التهاني والتبركات وسط تغطية إعلامية كبيرة جدا وصفت بالانحياز.
يتبع..
احمد باب خراشی






