sliderمقالات ورأي

حين تهتزّ المظلة: الخليج بين وهم الحماية وبحث السيادة

في خضمّ سيل الأخبار والتحليلات، تبرز أحيانًا نصوصٌ لا تعكس واقعًا قائمًا بقدر ما تفتح كوةً نحو ما يمكن أن يكون. الحديث عن انسحاب قوات أمريكية من الخليج، أو إنهاء استضافة قواعد عسكرية، ليس تفصيلًا عابرًا في معادلات السياسة، بل هو—إن تحقق—زلزال يعيد رسم خرائط القوة، ويطرح سؤالًا جوهريًا: هل آن أوان الاستقلال الأمني لدول المنطقة؟

طوال عقود، تأسّس الأمن الخليجي على معادلة واضحة: حماية خارجية مقابل استقرار داخلي. منذ حرب الخليج، تشكّل الوجود العسكري الأمريكي كحائط صدّ، لا فقط ضد التهديدات المباشرة، بل أيضًا كضامن لتوازن هشّ في منطقة شديدة التقلب. غير أن هذه المعادلة، التي بدت راسخة، بدأت تتآكل ببطء. ليس لأن التهديدات زالت، بل لأن كلفة الحماية نفسها صارت موضع مساءلة.

فالدولة التي تستضيف قوة كبرى، لا تستضيفها مجانًا. هناك أثمان سياسية، وأخرى أمنية، وثالثة رمزية تمسّ السيادة. ومع تحوّل أولويات القوى الكبرى، وتزايد الشعور بأن المصالح لا تتطابق دائمًا، بدأ يتشكّل وعي جديد في الخليج: وعيٌ لا يرفض التحالف، لكنه يرفض الارتهان.

في هذا السياق، يكتسب الحديث عن تقارب مع إيران دلالة تتجاوز اللغة الدبلوماسية. فالجغرافيا، بخلاف التحالفات، لا يمكن التفاوض حولها. وإيران، سواء اختلفنا أو اتفقنا معها، تظلّ حقيقة ثابتة في معادلة الإقليم. من هنا، يبدو الانتقال من منطق الخصومة المطلقة إلى منطق التكيّف الواقعي خطوةً مفهومة، وإن كانت محفوفة بالمخاطر.

لكن هذا المسار ليس طريقًا معبّدًا. فالتاريخ القريب مثقل بالصراعات، والملفات المفتوحة في أكثر من ساحة لا تزال قابلة للاشتعال. كما أن الثقة—وهي العملة النادرة في الشرق الأوسط—لا تُبنى بالتصريحات، بل بتراكم الأفعال. لذلك، فإن أي تقارب لن يكون نهاية التوتر، بل ربما إعادة صياغته في شكل أقلّ حدّة وأكثر براغماتية.

أما السؤال الأكبر، فيتعلق بما بعد المظلة الأمريكية. ماذا يحدث إذا تراجعت القوة التي لعبت دور “الحَكَم” لعقود؟ هل تدخل المنطقة في فراغ، أم في طور نضج متأخر؟

السيناريوهات متعددة، لكن أكثرها واقعية ليس ذاك الذي يتحدث عن هيمنة طرف واحد، بل عن تعددية قلقة. شرق أوسط بلا مظلة واحدة، تحكمه توازنات دقيقة بين قوى إقليمية ودولية، حيث لا أحد قادر على السيطرة الكاملة، ولا أحد مستعد للتنازل الكامل. في مثل هذا المشهد، تصبح الدبلوماسية ضرورة وجودية، لا خيارًا تكميليًا.

وبالنسبة لإسرائيل، فإن أي تراجع في الحضور الأمريكي في الخليج يطرح تحديات، لكنه لا يعني انهيارًا. فالدولة التي بنت استراتيجيتها على التفوق النوعي لن تفقد أدواتها بين ليلة وضحاها. غير أن غياب العمق الإقليمي الذي وفرته التحالفات غير المباشرة قد يفرض عليها إعادة حساباتها، والبحث عن صيغ جديدة للأمن، أقل اعتمادًا على الآخرين وأكثر انكشافًا للواقع.

في المحصلة، لا تكمن أهمية هذا الطرح في دقته كخبر، بل في عمقه كسؤال. هل تستطيع دول الخليج، ومعها إيران، الانتقال من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة إدارة التوازن؟ وهل يمكن لمنطقة اعتادت على “الحَكَم الخارجي” أن تكتب قواعد لعبتها بنفسها؟

قد لا تكون الإجابة قريبة، لكن المؤكد أن زمن اليقين القديم يتآكل. وما بين وهم الحماية الكاملة، ومخاطر الاستقلال غير المحسوب، تقف المنطقة على عتبة مرحلة جديدة—مرحلة لا يُختبر فيها فقط توازن القوى، بل نضج الدول.

حمادي سيدي محمد آباتي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى