في رحاب الدموع، أعيروا مدامعكم ولو سهوا للأمة الأزوادية
ثمة جراحٌ لا تنزف دماً فحسب، بل تنزف صمتاً، وثمة مآسٍ لا يضاعفها بطشُ الأعداء بقدر ما يضاعفها صمتُ الأشقاء”
وما أشدّ مرارة الظلم حين يأتي مقروناً بالخذلان، وما أقسى المحنة حين يكتشف المبتلَى أن صرخته تتردد بين الجبال والوديان، ثم تعود إليه وحيدةً لا تجد أذناً تصغي ولا قلباً يرتجف لمأساته،
في أقصى رمال حيث تمتد أرض أزواد الشاسعة كأنها صفحة من التاريخ المنسي،
يعيش شعبٌ أنهكته الحروب، وطحنته المطامع، وتنازعته قوى الأرض، بينما يقف العالم متفرجاً على معاناته، وكأن دموعه أقل ملوحةً من دموع الآخرين، وكأن آلامه أقل استحقاقاً للتضامن والإنصاف من بقية الشعوب،
لقد عَرف الأزواديون التهجير كما عرفه غيرهم، وذاقوا مرارة اللجوء كما ذاقتها شعوب كثيرة، وفقدوا أبناءهم وديارهم ومصادر رزقهم تحت وطأة القتل والتهجير المتعاقبة، ومع ذلك ظل صوت قضيتهم خافتاً في أسماع العالم، لا لِأن مأساتهم صغيرة، بل لأن الأضواء لم تُسلَّط عليها بما يليق بحجمها، ولأن كثيرين آثروا الصمت حيث كان الواجب يقتضي الكلام”
وإذا كان تقاعس القوى الدولية أمراً اعتادت عليه الشعوب المستضعفة، فإن الألم الحقيقي يكمن في خذلان الجوار قبل البعيد، وفي برودة المشاعر حيث كان يُنتظر الدفء، وفي غياب النصير حيث كانت روابط الدين واللغة والتاريخ والجغرافيا توجب الحضور والمواساة لشعب جفت مدامعه من الحزن والخذلان،
كيف لأمةٍ تهتز مشاعرها لمآسي الشعوب في مشارق الأرض ومغاربها أن تمرّ على مأساة أزواد مرور العابر المستعجل؟
وكيف لأصوات المنابر والمنتديات والهيئات أن تضجّ لنصرة المظلومين في كل مكان، ثم تخفت حين يتعلق الأمر بشعبٍ مسلمٍ جارٍ، تجمعه بإخوانه وشائج الدم والعقيدة والمصير؟
إن الحديث هنا ليس دعوةً إلى المفاضلة بين المآسي، فكل دمٍ بريءٍ هو جرحٌ في جسد الإنسانية، وكل مظلومٍ يستحق النصرة والدفاع، ولكنه تساؤلٌ موجع عن أسباب هذا الغياب، وعن سر هذا الفتور، وعن تلك المسافة الباردة التي نشأت بين شعبٍ يتألم وشعوبٍ كان يُنتظر منها أن تشعر بوجعه وكأنه وجعها ،
لقد وقف كثير من أبناء الأمة الإسلامية مع قضايا عادلة في أنحاء العالم، ورفعوا أصواتهم دفاعاً عن المظلومين، وبذلوا الأموال والجهود والإعلام والتأييد. وذلك موقفٌ نبيلٌ يُشكرون عليه. لكن العدالة الحقيقية لا تتجزأ، والضمير الحي لا يختار ضحاياه وفق شهرة القضية أو حجم التغطية الإعلامية، فالمظلوم يظل مظلوماً مهما كان اسمه، والحق يبقى حقاً مهما كان موضعه”
إن شعب أزواد اليوم لا يطلب المستحيل، ولا ينتظر المعجزات، وإنما يتطلع إلى شيءٍ من الإنصاف، وإلى كلمة حق تُقال، وإلى تضامنٍ صادق يبدد شيئاً من وحشة الطريق،
يتطلع إلى أن يشعر بأن الأمة التي ينتمي إليها لم تنسه، وأن إخوة الدين والجوار ما زالوا يرون فيه جزءاً من آلامهم وآمالهم “
وفي رحاب هذه الدموع التي بللت وجوه الأمهات، وفي ظلال هذه الأحزان التي أثقلت صدور الشيوخ، وفي أنين الأطفال الذين كبروا على أصوات البنادق لا على أناشيد الطفولة، يظل السؤال معلقاً في سماء الضمير الإسلامي:
إلى متى يبقى الأزواديون وحدهم في مواجهة المحنة ؟
إن الشعوب العظيمة لا تُعرف فقط بما تقوله في ساعات الانتصار، بل بما تفعله في ساعات الألم، والأمم الحية هي التي تسمع أنين المظلوم قبل أن يتحول إلى صرخة يأس، وتلتقط دمعة المنكوب قبل أن تغرقه العزلة”
ولعل أشد ما يحتاجه الأزواديون اليوم أن يشعروا بأنهم ليسوا رقماً هامشياً في نشرات الأخبار، ولا قضيةً مؤجلة على رفوف السياسة، بل شعبٌ مسلمٌ كريمٌ له حق الأخوة والجوار والإنسانية. فإذا كانت البنادق قد فرّقت بينهم وبين ديارهم، فلا ينبغي أن يفرق الصمت بينهم وبين ضمائر إخوانهم”
وفي النهاية، تبقى الدموع شاهدةً على زمن الخذلان، وتبقى الآمال معلقةً على يقظة الضمير. فربما يأتي يومٌ يدرك فيه الجميع أن الصمت أمام معاناة الشعوب ليس حياداً، بل موقفٌ آخر من مواقف التاريخ، وأن الأمم التي تتأخر عن نصرة المظلومين تخسر شيئاً من إنسانيتها قبل أن تخسر شيئاً من مكانتها”
وفي رحاب الدموع، ما زال شعب أزواد ينتظر”
محمدن أيب أيب
10 يونيو 2026





