sliderمقالات ورأي

بلدية الغبرة: تاريخٌ عريق وثقافةٌ ضاربة في الجذور

كتب: المحفوظ السالم ولد علي

تُعد بلدية الغبرة من أعرق المناطق في ولاية لعصابه، وهي حيز جغرافي نشأ قبل الاستقلال، وقامت أسسه على قيم الصلاح والسكينة والوقار والسخاء والكرم والتواضع. تقع في الناحية الشمالية الشرقية على ضفاف الوادي الذي حمل اسم وادي الغبرة، وحول بركه ومجاريه المائية التي كانت مصدر حياة واستقرار للسكان.

وقد شدّ إليها الرحال أناس من مختلف الجهات، تجمعهم روح الوحدة والتآخي والتماسك الاجتماعي، تحت قيادة رجالٍ آمنوا بالله ورسوله وصدقوا ما عاهدوا الله عليه. وكان في مقدمة هؤلاء الولي الصالح الزاهد العبقري ، وإبنه الكريم زين العابدين، الذين التف حولهم رجال أفاضل ظلوا متكاتفين في السراء والضراء، وفي أوقات السلم والحرب، فأسسوا مجتمعًا متماسكًا تسوده المحبة والتعاون.

وعلى الصعيد الاقتصادي، اشتهرت الغبرة بالزراعة المطرية، حتى أصبحت سلة غذائية مهمة لمناطق آفطوط وأركيب ولمنيحر وولاية لعصابه، بل امتد صيتها إلى أجزاء من ولاية تكانت ومناطق أخرى من موريتانيا. وكان الناس يتوافدون إليها موسم الحصاد من كل حدب وصوب، فمنهم من يأتي لشراء المحاصيل الزراعية، ومنهم من يقصدها طلبًا للعون أو هبةً من أهلها المعروفين بالكرم والجود. وقد عُرف مزارعو الغبرة بسخائهم، فلم يكونوا يفرقون بين من يشتري ومن يحتاج، فكان العطاء سمةً أصيلة من سمات أهل المنطقة.

ومن معالم الغبرة التاريخية أيضًا المدرسة الابتدائية العريقة التي أُنشئت في بدايات الاستقلال، وربما قبل ذلك، والتي ساهمت في تعليم أجيال عديدة من أبناء المنطقة. كما تضم مقبرةً تاريخية يرقد فيها الكريم الزاهد زين العابدين، لتظل شاهدًا على تاريخ ورموز هذه الأرض المباركة.

ومن أبرز معالمها الطبيعية جبل واوه الشامخ، الذي يمتد من الجهة الشرقية المقابلة لمدينة الغبرة حتى منطقة كركور على الحدود الموريتانية المالية باتجاه ولاية كاي، ليشكل لوحة طبيعية مميزة ومعلمًا جغرافيًا بارزًا في المنطقة.

كما عرفت الغبرة في الماضي وسيلة نقل شهيرة تمثلت في حافلة “كار أهل ابالي”، التي كانت تؤمن النقل بين كيهيدي والغبرة، وكانت لها محطة رسمية داخل السوق. وقد ظلت لسنوات طويلة الوسيلة الأكثر انتظامًا وربطًا للمنطقة بمحيطها، وساهمت في تنقل السكان والمسافرين من مختلف أنحاء المنطقة.

إن الحديث عن الغبرة هو حديث عن تاريخ من التعايش والكرم والعمل والإنتاج، وعن مجتمع حافظ على قيمه الأصيلة وتقاليده العريقة، فاستحق أن يكون جزءًا مهمًا من الذاكرة الثقافية والتاريخية لولاية لعصابه وموريتانيا عمومًا.

ولم نغفل في حديثنا عن الغبرة ارتباط عاصمة البلدية بقراها الكبرى وتجمعاتها السكنية وقراها الصغيرة وأدوابها وقصورها، وذلك تفاديًا لأي لبس أو ظن بأن حديثنا اقتصر على جزء من هذا الحيز الجغرافي دون غيره، أو أننا أردنا إقصاء أي مكون من مكونات الغبرة من تاريخها وتراثها ومكانتها. فالغبرة بمختلف قراها وتجمعاتها السكانية تشكل وحدة متكاملة يجمعها التاريخ والمصير المشترك والموروث الثقافي العريق.

ومن أبرز ما عُرفت به ساكنة الغبرة أصالتها وتمسكها بالموروث الثقافي، الذي تتجلى مظاهره في مواسم عديدة، وعلى رأسها موسم الخريف وموسم الزراعة، حيث يساعد المناخ على إحياء مختلف الأنشطة والعادات الاجتماعية والثقافية. كما كان لهذا الموروث حضور بارز في المناسبات الاجتماعية والأفراح، إذ اشتهر رجال ونساء من أكابر أهل الغبرة بإتقان الفنون الشعبية والتميز فيها، حتى ضُرب بهم المثل في المنطقة، إلى جانب ساكنة ما يُعرف اليوم ببلدية دقفك. وقد ذاع صيتهم وانتشرت شهرتهم في مختلف أرجاء الولاية لما امتلكوه من مهارة وإبداع في هذا المجال

وقد ظلت الغبرة عبر مختلف المراحل التاريخية نموذجًا للتعايش والتآزر الاجتماعي، حيث جمعت بين سكانها روابط الأخوة والجوار والمصالح المشتركة، فكانت قيم التكافل والتعاون حاضرة في حياتهم اليومية، سواء في مواسم الزراعة والرعي أو في المناسبات الاجتماعية المختلفة.

كما أسهم موقعها الجغرافي في جعلها محطة تواصل بين العديد من التجمعات السكانية المجاورة، الأمر الذي ساعد على تبادل العادات والتقاليد والخبرات، مع احتفاظها بخصوصيتها الثقافية وهويتها المحلية المميزة. وقد عُرف أهلها بالكرم وحسن الضيافة واحترام الكبير وإغاثة المحتاج، وهي قيم توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل.

ولم يكن إشعاع الغبرة مقتصرًا على الجانب الاجتماعي والثقافي فحسب، بل برز منها رجال ونساء كان لهم دور في خدمة مجتمعهم والمساهمة في تنمية منطقتهم والمحافظة على وحدتها وتماسكها. وبفضل هذا الإرث التاريخي والثقافي الغني، ما زالت الغبرة تحتفظ بمكانتها في ذاكرة أبنائها وفي وجدان كل من عرف تاريخها وأصالة أهلها.

كتب: محفوظ ولد اسلم علي

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى