sliderتقارير

التمادي في الالتفاف على قرارات الحكومة: فرع من النهب أم استهتار بمشاعر الشعب والحكومة معًا؟

حمادي ولد آباتي

في مشهد يتكرر بصيغٍ مختلفة، لكنه لا يفتأ يُفاجئنا بدرجات استهتاره، يعود ملف المنح الدراسية ليُثير موجة من السخط في أوساط أولياء الأمور والطلبة الموريتانيين، بعد الإعلان الأخير الصادر عن سفارة موريتانيا في القاهرة بشأن المنح المصرية.

ففي إطار التعاون الثقافي بين الحكومة الموريتانية ونظيرتها المصرية، تم تخصيص 150 مقعدًا في التعليم العالي لصالح الطلبة الموريتانيين. ورغم أن الإعلان الرسمي الذي نشرته السفارة حدد 30 يوليو كآخر أجل لاستلام ملفات المترشحين، إلا أن نتائج الباكالوريا لم تُعلن إلا مساء السبت، 2 أغسطس، أي بعد انقضاء المهلة المزعومة، ما حرم غالبية الطلبة من الترشح أصلاً.

ولم يتوقف الالتباس عند المواعيد غير المنطقية، بل تعمّق عند اتضاح أن الملحق الثقافي في السفارة صرّح بأن المنح مخصصة للموريتانيين المقيمين في الخليج، مع تحديد عدد مقاعد الطب بثلاثة فقط، وسط أنباء عن بيع المقاعد بما يقارب أربعة ملايين أوقية قديمة للمقعد الواحد.

من التلاعب الإداري إلى العبث بالعدالة الاجتماعية

هنا نطرح السؤال الجوهري: هل ما يحدث مجرد خلل إداري، أم أنه تلاعبٌ ممنهج بمصالح الناس، واحتقارٌ مقنّع للطبقات الضعيفة التي لا تمتلك المال ولا الوسائط للوصول إلى هذه “الفرص الذهبية”؟

الواقع أن ما شهدناه ليس حالة معزولة، بل هو جزء من نمط يتكرر، ويكشف عن عقلية تقوم على احتكار الفرص وتسييجها ضمن دوائر النفوذ. ومن منظور سوسيولوجي، فإن هذه الممارسات تكرّس منطق “الرأسمال الرمزي” كما وصفه بورديو، حيث يُعاد إنتاج الامتياز الطبقي من خلال تحكم نخبة بيروقراطية في قنوات الترقي الاجتماعي، وعلى رأسها التعليم.

نداء الفئات المسحوقة: تعليم أبنائنا ليس ترفًا!

نحن ــ فئة المدرسين والموظفين ذوي الدخل المحدود ــ لم نعد نطمح إلى الامتيازات، بل نطالب فقط بالعدالة في الحصول على الحد الأدنى من الحقوق، وفي مقدمتها تعليم أبنائنا في تخصصات كالطب والهندسة، التي لا تُخضع صاحبها لانتظار التوظيف الرسمي، بل تؤمّن له كرامة العيش.

لكن الواقع يصدمنا كل مرة: أبواب المدارس الخصوصية سُدّت في وجوهنا بفعل الغلاء، والمدارس العمومية أصبحت مزدحمة، تُدار بميزانيات هزيلة وبطاقم منهك. ورغم ذلك، تتغنى الحكومة بإصلاح التعليم، وتُفاخر بافتتاح مدارس جديدة لا تتوفر على مقومات الاستمرار.

سؤال إلى السلطة: لمن تُفتح الأبواب؟

إذا كان هناك اتفاق رسمي باسم الحكومة الموريتانية، فمن الذي فوّض للسفارة أن تختزل المنح في مجموعة مغلقة من أبناء المهجر، بينما تُقصى الأغلبية المقيمة داخل الوطن؟ وإذا كانت هذه المنح تُباع، فأين لجنة المتابعة الحكومية؟ وأين العدالة؟

نحن هنا لا نخاطب وزيرًا أو سفيرًا، بل نرفع شكوانا لرئيس الجمهورية، بوصفه الضامن للدستور، ولرئيس البرلمان، بوصفه ممثل الشعب، وللقضاء، باعتباره آخر ملاذ للعدالة.

فإما أن يُعاد النظر في هذه المهزلة، ويُفتح باب الترشح بشكل عادل وشفاف، أو فليُصارحونا أن التعليم في هذا البلد أصبح مزادًا علنيًا.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى