حلت على أمتنا العربية ذكرى ثورة 23 يوليو 1952، وهي محطة تاريخية تستدعي التوقف والقراءة لمسار الوعي العربي ، إذ مثلت هذه الثورة نقطة تحول هامة جسدت إرادة الشعوب العربية والاسلامية في الانعتاق من التبعية، وبناء النهضة الذاتية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإعادة الاعتبار لقضايا المصير المشترك، وعلى رأسها سيادة الوطن العربي الكبير، وكرامة أبنائه، وتكامله الحضاري والسياسي.
غير أن قراءة المشهد السياسي في الساحة العربية خلال العقود الأخيرة تكشف عن تراجع كبير في الاهتمام بالمبادئ والأهداف الكبرى التي أرستها ثورة يوليو ، حيث شهدت الأدبيات الثقافية والإعلامية انكفاء عن ثوابت الوعي القومي الجامع، لحساب الاستغراق المفرط في التنافس المحلي والصراعات الفئوية ضيقة الأفق، مما أضعف جبهة الوطن العربي، وأعاق مسارات التنمية المستدامة والنهوض الحضاري الشامل.
ولفهم أبعاد هذه الأزمة ومقارنتها بالرسالة التاريخية لثورة يوليو، يتطلب الأمر قراءة متأنية ومترابطة لتداخل المسارات على الساحة العربية ، فقد بدأت هذه التحولات مع تعثر بعض المشروعات الجامعة عن تطوير نماذج حوكمة تنموية مرنة تحفظ الاستقرار وتستوعب التنوع الثقافي والاجتماعي الممتد عبر الأقطار العربية، مما خلق فجوة هيكلية بين الطموح والواقع ، أورثت الشارع حالة من الانكفاء، وتركت فراغا ثقافيا وسياسيا يستدعي المراجعة.
وقد تزامن ذلك مع صعود حراكات اجتماعية وشعبية نادت بالعدالة والنمو ومكافحة الفساد، وهي مطالبات تتصل في جوهرها بالمقاصد الاجتماعية والمفهوم الشامل للتنمية العربية. غير أن غياب التأطير الثقافي الرشيد والرؤية الاستراتيجية الجامعة أدى في كثير من الأحيان إلى انحراف هذه المطالب عن مسارها البناء ، حيث جرى توظيف حالة الاحتقان عبر الإعلام الموجه وأدوات الاستقطاب، لتتحول الاحتجاجات إلى عامل إنهاك للمؤسسات وتفتيت للتلاحم المجتمعي بدل أن تكون رافدا للإصلاح والنهوض.
وفي المقابل لمنهج ثورة يوليو الذي سعى لتوحيد الصف وتدشين المشروعات التنموية القومية الكبرى، برزت أطروحات سياسية وثقافية اتسمت بالأحادية، واستثمرت لحظات الفراغ والاحتقان لتوجيه الحراك العربي نحو أجندات تنموية ضيقة أو تنظيمية خاصة. واعتمدت في ذلك على الاستقطاب العاطفي وإعلاء المصالح الفئوية على حساب الفضاء العربي الجامع، مما أسهم في إشاعة الاضطراب، وتشتيت الأولويات الكبرى للوطن العربي ، مثل التحديث الاقتصادي، والسيادة التكنولوجية، وبناء القوة الذاتية الشاملة ، ليغرق الفكر العربي في سجالات هوياتية وجانبية استنزفت الطاقات البشرية والمادية.
هذه الآثار السلبية ، لم توقف الاستقطاب الثقافي عند حدود الإرباك السياسي والتعطيل التنموي، بل امتدت لتحدث تشويشا على الصورة الحضارية للقيم الإسلامية السامية ذاتها.
فقد قُدِّم الإسلام ، وهو الدين الحنيف القائم على الرحمة والعدل والرسالة الإنسانية الشاملة ، من خلال سلوكيات وأطروحات حصرية وظفت الخطاب الديني كأداة للمناورة السياسية.
هذا الاختزال الأيديولوجي قدم للعالم صورة مجتزأة لا تعبر عن الثراء الحضاري للأمة، ووفر الذرائع لخصومها لتصوير الدين الإسلامي وكأنه منهج يدعو للصدام والمغالبة والغلو والتطرف ، وهو ما ألحق الضرر بمكانة العالم العربي والإسلامي ورسالته السامية بين الأمم.
إن الدرس الأبرز الذي تقدمه ذكرى ثورة 23 يوليو ، تتلخص في أن قوة الوطن العربي الكبير وتنميته المستدامة لا تكتملان إلا عبر وعي قومي جامع، ومؤسسات راسخة، واستقرار سياسي واجتماعي يحمي المقدرات ويصون السيادة لأقطاره.
فالانشغال بالصراعات الحزبية والأيديولوجية يفتح الثغرات أمام التدخلات الخارجية والقوى المنافسة لشغل الفراغ وفرض إرادتها على الجغرافية العربية، وهو ما يضر بالسيادة الوطنية لكل قطر، ويعطل مشروعات النهوض الجمعي.
ومن هذه السيرورة التاريخية، تجب اليوم ، استعادة التوازن السياسي والفكري عبر الانطلاق من رؤية قومية وحضارية حديثة تنهي حالة الاستقطاب والتجاذب، وتستوعب المطالب الاجتماعية المشروعة في أطر قانونية ومؤسسية حكيمة ، رؤية تعيد الاعتبار لبناء القوة الذاتية للوطن العربي، وترسخ مفهوم المواطنة الشاملة، وتجعل من تنمية الإنسان العربي وصون كرامته ومقدرات أقطاره الغاية الأولى والأسمى لكل حراك فكري وسياسي رشيد




