المغرب على أعتاب انتخابات مفصلية: بين أزمة الثقة وفرصة الإصلاح السياسي
محمد الحبيب هويدي- المغرب

بينما يستعد المغرب لتنظيم انتخابات برلمانية جديدة في سبتمبر 2026، يجد نفسه أمام مفترق طرق حاسم: إما إعادة بناء الثقة في العملية السياسية والمؤسسات المنتخبة، أو ترسيخ العزوف الشعبي عن المشاركة وترك المجال مفتوحًا أمام قوى النفوذ المالي والسياسي القديم.
في الشهور الأخيرة، عادت إلى الواجهة قضايا فساد وتجاوزات تطال عددًا من البرلمانيين الحاليين والسابقين، لتطرح من جديد سؤالًا مؤرقًا يلازم التجربة الديمقراطية المغربية: ما مدى صدقية المؤسسات التمثيلية، في ظل استمرار منح التزكيات الانتخابية لأسماء يلاحقها القضاء؟
ورغم التقدم الملحوظ في أداء المؤسسات القضائية، التي أصبحت أكثر انخراطًا في تتبع قضايا الفساد ومحاسبة المسؤولين، فإن الرأي العام المغربي لا يزال يتوجس من أن يكون هذا الزخم لحظيًّا، إذا لم يصاحبه تحول عميق في منطق اشتغال الأحزاب السياسية ومنظومة التزكيات.
ملفات ثقيلة تضع المؤسسات تحت المجهر
البرلمان المغربي، الذي يضم 515 عضوًا بين نواب ومستشارين، يعيش منذ سنوات على وقع جدل متكرر حول مدى نقاء صفوفه من شبهات الفساد. مؤخرًا، وُضعت أربعة أسماء من النواب الحاليين تحت المتابعة القضائية، من بينهم يونس بنسليمان، نائب عن حزب التجمع الوطني للأحرار، المتابع في ملف مالي يعود إلى تنظيم مؤتمر مناخي دولي.
لكن الصورة تصبح أكثر قتامة عند الحديث عن برلمانيين سابقين أُدينوا بأحكام قضائية ثقيلة، أبرزهم محمد مبديع، الوزير والنائب السابق عن حزب الحركة الشعبية، المعتقل منذ 2023 في أكبر قضية فساد مالي في تاريخ الجماعات المحلية بالمغرب. إلى جانبه، هناك شخصيات مثل محمد بودريقة، سعيد الناصيري، وعبد النبي بعيوي، وكلها أسماء سبق أن شغلت مواقع متقدمة في الأحزاب أو المؤسسات المنتخبة، وانتهى بها المطاف في قفص الاتهام.
هذه القضايا، التي مست أطيافًا سياسية متعددة، من الأحزاب الليبرالية إلى اليسارية والمحافظة، تبرز أن الأزمة لا ترتبط بخيارات فردية فقط، بل تكشف عن خلل هيكلي في طريقة تشكيل النخب السياسية وغياب آليات داخلية صارمة للتدقيق في المرشحين قبل الدفع بهم إلى مواقع المسؤولية.
إصلاحات منتظرة… لكن هل تكفي؟
استباقًا للاستحقاقات المقبلة، أطلقت وزارة الداخلية المغربية مسلسل مشاورات موسعة مع الأحزاب السياسية لصياغة قوانين انتخابية جديدة. ووفق خطاب العرش الذي ألقاه الملك محمد السادس في يوليو 2025، فإن هذه القوانين ينبغي أن تكون جاهزة قبل نهاية السنة الحالية، بما يضمن تحضيرًا شفافًا للانتخابات المرتقبة.
الخطاب الملكي حمل توجيهات واضحة بشأن ضرورة ضمان حياد الإدارة، تعزيز تمثيلية النساء والشباب، وتشديد المراقبة على التمويل الانتخابي. إلا أن الشكوك تظل قائمة بشأن مدى قدرة هذه الإجراءات على إحداث تغيير فعلي، ما لم تُرافقها إرادة حزبية صريحة في تجديد النخب وإقصاء الأسماء المثيرة للجدل.
ففي التجارب السابقة، كثيرًا ما تم التغاضي عن المعايير الأخلاقية في اختيار المرشحين، لصالح الولاءات الشخصية أو النفوذ المالي، وهو ما عمّق فقدان المواطن للثقة في جدوى المشاركة السياسية، رغم التحولات الدستورية والمؤسساتية التي عرفها المغرب منذ 2011.
بين الرقابة والمساءلة: أي أفق أمام الأحزاب؟
لأول مرة، يجد الخطاب الحزبي نفسه أمام اختبار مزدوج: إقناع الدولة بجدية مذكراته حول الإصلاحات، وإقناع المواطنين بقدرته على تجديد ذاته وتقديم وجوه جديدة قادرة على ممارسة السياسة كخدمة عمومية، لا كامتياز شخصي.
هذه المرحلة تفرض على الأحزاب المغربية أن تبرهن على نضج سياسي ومؤسساتي حقيقي، يتجاوز منطق الواجهة والشعارات. فالمعركة لم تعد حول نسب المشاركة فقط، بل حول مصداقية التمثيل نفسه، في وقت أصبح فيه المواطن المغربي أكثر وعيًا، وأكثر حذرًا في تعامله مع الخطاب السياسي.
دروس من الماضي ونظرة إلى المستقبل
المشهد السياسي المغربي لطالما كان معقدًا، إذ اختلطت فيه إصلاحات تدريجية مع مقاومات داخلية للتغيير. لكن الجديد اليوم هو وجود قناعة عامة بأن استمرار الوضع الحالي لم يعد ممكنًا، وأن المسار الديمقراطي لا يمكن أن يتقدم دون مساءلة حقيقية، وتجديد دماء الطبقة السياسية، وإعادة تعريف العلاقة بين المال والسياسة.
الانتخابات التشريعية لسنة 2026 قد تمثل لحظة فاصلة في هذا المسار. نجاحها لا يُقاس فقط بنسبة المشاركة أو عدد القوانين المصادق عليها، بل بمدى قدرة الدولة والأحزاب معًا على قطع الحبل السري بين الفساد والتمثيل السياسي، وبناء منظومة انتخابية تحظى بثقة المجتمع المحلي والدولي.
في نهاية المطاف، المغرب أمام فرصة تاريخية نادرة: ليس فقط لتنظيم انتخابات، بل لإعادة بناء المعنى الحقيقي للديمقراطية في بلد يعوّل عليه أن يكون نموذجًا للاستقرار والإصلاح التدريجي في المنطقة.
مراسل وكالة الحرية من المملكة المغربية




