جبريل جلو – يكتب: مات أبي

مات أبي
مات قبل “سنين”.. ولم أكتب عنه حينها
حرفا..مات غير مقتول. لكني اليوم آخذ له ثأرا، من رجال هموا به يوما غدرا.. فما كان في الدار عامها. وكنت صغيرا.
جاء الجند يسألون أين هو ولد دمبا كوركا ؟
قالت لهم جدتي: في ليبيا. منذ عامين. تفضلوا…لا تذهبوا حتى تشربوا.
وأضافت فلان: (أنت أشحالك؟؟ وشمواسية الوالدة؟ سلم لي حته على الطافلات وعلى خالتك فلانة.)
ثم ذهب الجند…
مضی ربع قرن، على زيارة الجنود. ثم مات أبي. وكان قد حفر قبرا لنفسه، بيديه جنب روضة أمه۔ في قريتنا. وزين القبر تخاله مأهولا..
وبعد أن غُسل جثمان أبي في المستشفى، قالت الأعمام والأقربون وصيته حول القبر كيف نصرفها؟ قال بعضهم ندفنه هنا قريبا من ذريته۔ يزورونه قربا۔ لا يترحلون. ففعلوها…ولم أقل شيئا..
ولو اني كنت ثمة يومها ما فعلوها. ولحملته، ولو مشيا ليكون في حضن أمه بجنة الرحمن.
لكنني اليوم أشتري قبر أبي، بنفسي و احجزه لي وحدي.. فيكون ابن ابن محل ابنها كي ترضى ويكون لأبي ابن في حضن أمه وأنا راض..
فنحن قوم نحفر قبورنا .. ننتظر الموت، كالنوم كل ليلة له نسعى.
ونعاس الأحياء كلهم ممات ويبقى وجه الله لا تاخذه سنة ولا نوم۔
ولكن من أقتل اليوم ولماذا؟؟ آمر الجند العقيد معاوية ولد أحمد ولد الطايع .. لست أقتله..
ففي رأسه شيب.. والشيب وقار، ولو نبت على رأس حامل جرما وقاتل أطفالا رضعا.. وهو اليوم لاجئ في الدوحة. ومعاذ الله لا أقتل لاجئا.
إن نية قتل أبي وحدها جرم، أقتل به نصف قرن. لا أموت فيه۔ ولا أكون قتيلا..
ولا أقتل شابا ولا امرأة ولاراعيا ولا من دونهم. ولا أقتل جنرالا نائما. أقتل رجالا بلغوا أشدهم۔ (عين تدق في عين)۔
أعراب قتلوا بعضهم سنونا طوالا.۔۔
ناقةً
بعيرٌ
قطرةً
امرأةٌ
بسوسٌ
سبباً…
نفس واحد من أبي خير منهم۔ ومن إبلهم۔ ومن كل شعر نسجوه نسجا۔
ولو أن القائد الذي هم بقتل أبي من الحراطين لقتلت منهم فحولا بيجلا ومسعودا وبيراما وأقتل الشيخ بدو وزقزقاته من خارج القفص.. في تونس أقتله…
ومن السراقة أقتل كمساجاغانا رجلا رفيعا زينته الأخلاق. ويوسف تيجاني سيلا لاتشفع له خؤولة من “إدوعلي” أحبهم حبا جما. وأقتل جابرا كمارا..
ومن الولف أقتل فالا ووادا وأقتل سك قتلا..حتى الشاعر جاكتي الشيخ سك أقتله وأقتل شعره وهويته وفصاحته ولونه…
ثم أنبشت قبر حبيب ولد محفوظ وأقتله بعد موته قتلا؛ وهو كريم وكاتب وحفيظ وتشهد القلم أسسها.
وأقتل عبد الله مامادو با قتلا. لست أرحمه. وهو بليغ حصيف كريم.
واقتل من الصحافة حنفي ولد الدهاه والدكتور عباس أبراهام وأحمد ولد الوديعة معهم وحبيب الله ولد أحمد معهم مقتول؛ وهو من هو عندي كما الوديعة؛ كلهم أقتلهم في مدينة باي أنياس أو في لمذرذرة أو في بوتلميت.
ثم أقتل آية في العز يعقوب ولد باهداه في مقر صحراء ميديا وأقتل الأخيار أولاد أباه قاطبة. وأذبح عبد الله ولد حرمة الله عند الإذاعة أو عند قبر الشيخ يعقوب ولد الشيخ سيديا رحمه الله تعالى رحمة واسعة.. و أسقي بذلك قبر الولي دما قربانا..
وأقتل محمد لمين ولد خطاري يومها بجرم الصحافة وأقول له اسبقني إلى الجنة، وأنا له قاتل حين أدركه فيها يقطف لي في الفردوس تفاحا وتمرا. فالأخلاء هنا أخلاء في الجنة وعدا.
واقتل عبد الله ولد اتفاغ المختار۔ يوما مشهودا۔ في الزعتر ستي۔ وذلك حين يكون برج اتفاغ المختار اطول بناية في العالم۔ ثم الف جسده باعداد من جريدة “اشطاري” ويدفن وحده في مقر بازب۔
واقتل محمد ناجي احمدو۔ وهوصحفي لا يلحن في لغة العرب۔ واحرق ارشيف صوره الكبير۔ لانه يكتنز تاريخنا في قرص الكتروني۔
ولا أرحم الصحفي الجريء الربيع ولد إديمو أقتله حاملا معه مقالا له في جريدة المجهر.
وأقتل الكوكب، كوكبة الدنيا كلها۔ ديمي منت آبه. وهي تغني للرسول عليه الصلاة والسلام۔ في الجنة أقتلها .. ذنبها حبها الصحفي۔
وأقتل عند المسجد الأقصى عبد الفتاح ولد أعبيدن وأغلف جثمانه في عدد من جريدته. ويدفن في فلسطين.
وسيدي ولد النمين أمنحه الأمان حتى ينهي نشرته. هذا الرجل وحده لا أقتله ولا أعرف لماذا.
وأذبح أعز الأخوال، محمد نعمة عمر، في مقر الحرية نت، رفقة شيخنا منصور جوب. وهو أحد حكماء المبعدين في داكانا. ويُحمل جثمانهما على جناح السرعة إلى المدينة المنورة. على متن أسرع طائرة في العالم. من صنع عقول موريتانية.
وأقتل الدكتور سيد عبد الله الشاعر الناقد، المحبوب۔ أمل دنقل البلد، قتلا لأني سمعته يوما يقول في رثاء نزار : يا عارف الشعر هل علمته عمرا وذنب بلقيس في شنقيط قد غفرا
ثم أقتل في دار السنمائيين طوطو أحمد۔ وأذبح قبعته.. وأنا له محب.
وأقتل شاعر وأميرا، ولد إديمو شابا ألمعيا نبيها.. وأقتل رؤساء التحرير والمدققين وأمراء الشعراء منا وهم فخرنا.. أقتلهم جمعا..
وأقتل يونسكو موريتانيا۔ وجوهرة الثقافة فينا۔ العميد الكبير الموقر۔ إبراهيم ولد عبد الله۔ أذبحه وحده ذبحا۔ شرفا..وأرفع جثمانه ليدفن في مكتبة تحمل بعدها اسمه. وكانت قبلها تسمى المكتبة الوطنية..
وأين شهيد المسرح إبراهيم سمير؟ أستدعيه من الجنة بخطاب مكتوب؛ أذبحه على عتبات دار الشباب الجديدة أو القديمة۔ وعبيد ول إميجن ينظر۔ ويصور۔ فإن بكى سميرنا ذبحته۔ وما كنت عليها بقادر۔
والخليل جاغانا وأصحاب لورونوفاتير ولاتانتيك أذبحهم في كارفور مدريد.
وأخصص يوما كاملا لقتل فحلين في باريس۔ واحد في أفرانس 24. عبدالله بن علي، أقتله وأخلاقه في قاعة التحرير. والعميد محمد لمين ولد سالم أقتله في صالون باريس للكتاب حاملا كتبا هو ألفها۔ والخليل ولد أجدود أقتله في دبي، إن هو نجا مني في تونس حيث أهل الخضراء يحبونه وقد يحمونه.
وامرأة بعد ديمي .. أقتلها. زوجة السمير، تونسية خير من الخنساء، جريمتها. زوجها أحبته صحافة العرب من صنعاء إلى أبيتيك كسكس، قرب مقر الصحراء ميديا. ولم تمنحه صحافتنا الوطنية حقه. رحمه الله تعالى. رحمة واسعة. كان لي في هذه الحياة خليلا.
وكل من قتلتهم اليوم ، تبنى في البلاد كلها جامعات، تحمل أسماءهم مرصعة بالذهب.. لا يسرقه أحد.
وحين أقرأ قول الله “ولاتسرفوا”… أطلب نزالا ليخرج لي في بطحاء، يختارها أحمد ولد معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع. وكان في الجيش ضابطا۔
لا أطلق النار على رأسه.. فله أخت. معاذ الله أن تقول اخته الفلاني :كب دماغ خوي۔
ولا أطعن ظهره بخنجر مسموم، فتقول ساكنة “أطار” قتل الفلاني، أحمد غيلة وغدرا..
إني لأقبض منه ما تولاني، من جسده بيدي وأعصره عصرا. حتى يغلي الدم في عروقه ويتصبب عرقا، وأعصره حتى يموت القمل في سوراله غرقا.
فأنا أقتله وأكرمه ولا اقول يتبول في سرواله ، فله ذرية جنسيتها الموريتانية وحدها تحفظ كرامة أبيها عندي..وله في السماسيد أقارب من الأفضلين ديدي ولد اسويدي رحمه الله تعالى.
هذا كله كلام عن القتل.۔.والموت .. يا أهل موريتانيا، أحيوا الأرض والزرع والضرع والمدارس. نعيش معا ونموت معا؛ نبني وطنا واحدا۔ نجعل منه جنة لنا جميعا في الأرض.
فالوحدة الوطنية هي أن نعيش سعداء متحابين. كأهل الفردوس نصلي على النبي محمد ولا يظلم بعضنا بعضا ولا يقتل بعضنا بعضا. وننشأ في هذه البلاد سابقة في الكون، مقبرة واحدة لكل المواطنين۔ ندفنهم فيها إلى أن يطوي الله الأرض وما عليها.
…
“هول واندو هول” كوستيم؟
كيف للقرد أن يلبس الكوستيم؟
“واندو كو واندو تن:” القرد مجرد قرد.
سمعت هذا الشعار للمرة الأولى. في العاصمة نواكشوط. عشية أول انتخابات رئاسية بين ولد الطايع وولد داداه.
وهو شعار عنصري حاقد. وردة فعل سخيفة على جرائم ولد الطايع. وقد تربت على هذا الشعار أجيال كثيرة. للأسف الشديد.
وهو شعار في منتهى الحقد و الغباء. لأنه عنصرية ضد جميع البيظان. كان يحمله يومها أنصار أحمد ولد داداه.
قال لي: أحد الإخوة هذا الشعار، في محادثة خاصة، فكانما قتل أبي.
وأردت أن أقرب له الأشياء. حين قلت له إننا في نزال. نقول فيه للخصم ما يوقظ ضميره بدل أن نقول له ما يوقد حقده ويشعل كراهيتنا. لأن الصراع هو من أجل التعايش. وليس من أجل الاجتثاث.إنه صراع من أجل الانصاف والعدل.
إني أقول جهرة: تسقط دولة البيظان العنصرية لتعيش موريتانيا لكل الموريتانين. ولن أقول: واندو كو واندو تن، سرا ولا علنا.
اننا في وطن وصل فيه الافساد مرحلة لا ينفع معها حديث العقل وحده. ولا صوت القلب وحده۔ إننا نحتاج نداءا يخرج من الضمير ليلتقطه ضمير آخر۔ كما تلتقط هواتفنا الكونكسيون۔ مع احقية ان نتغلب عل ضعف الضمير الجمعي لنا۔ كمجتمع وكشعب۔
هذا ما أدين به لله وللوطن ولنفسي. ولا أرى أي شيء بعيون غيري.
…..
جبريل جالو



