لم تعد الحدود بين موريتانيا ومالي مجرد خط فاصل بين دولتين متجاورتين، بل تحولت خلال العقد الأخير إلى فضاء أمني معقّد، تختلط فيه الجغرافيا بالسياسة، وتتشابك فيه حسابات الدول مع تحركات الجماعات المسلحة وتدخلات القوى الخارجية. فهذه الحدود الطويلة الممتدة عبر فضاء صحراوي مفتوح، لم تعد قابلة للضبط بالوسائل التقليدية، بل أصبحت جبهة إقليمية قائمة بذاتها، تتأثر مباشرة بانهيار التوازنات داخل مالي.
منذ اندلاع الأزمة المالية وتفكك السيطرة المركزية في الشمال، بدأت ملامح خريطة نفوذ جديدة تتشكل على مقربة من موريتانيا، حيث لم يعد التهديد محصورًا في جماعات متنقلة، بل أصبح منظومة متعددة الفاعلين، تتوزع جغرافيًا بشكل يعكس طبيعة الصراع في الساحل. ففي الشمال المالي، خاصة في كيدال وتمبكتو، تتقاسم الحركات الأزوادية المسلحة، ذات الطابع الانفصالي، السيطرة مع جماعات جهادية، ضمن توازنات هشة تقوم أحيانًا على التنسيق التكتيكي أو اتفاقات عدم الاعتداء. هذه المنطقة، بحكم قربها من الحدود الموريتانية، تمثل عمقًا استراتيجيًا لأي تحرك مسلح باتجاه الغرب.
أما في الوسط المالي، وتحديدًا في مناطق موبتي وسيغو، فقد برزت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين كأحد أخطر الفاعلين، حيث نجحت في بناء نفوذ قائم على التغلغل الاجتماعي واستثمار التوترات المحلية، مع اعتمادها على حرب العصابات بدل السيطرة المباشرة. وقد شهدت هذه الجماعة توسعًا ملحوظًا نحو الغرب، مقتربة بشكل غير مسبوق من الحدود الموريتانية، وهو ما يرفع من مستوى التهديد الاستراتيجي لنواكشوط.
في المقابل، يسيطر تنظيم الدولة في الصحراء الكبرى على أجزاء من الشرق والجنوب الشرقي، خاصة في مناطق غاو وميناكا، ويتميز هذا التنظيم بنمط عنيف من العمليات، يستهدف الجيوش والمدنيين على حد سواء، ما يجعله عنصر فوضى دائم في المعادلة الأمنية. ورغم أن نشاطه يتركز بعيدًا نسبيًا عن الحدود الموريتانية، فإن ديناميكية الصراع قد تدفعه إلى إعادة الانتشار في أي لحظة.
لكن التحول الأخطر في السنوات الأخيرة يتمثل في انتقال النشاط الجهادي إلى الغرب المالي، أي إلى المناطق المحاذية مباشرة لموريتانيا. هذا التمدد لا يحمل فقط تهديدًا أمنيًا، بل يضرب أيضًا الشرايين الاقتصادية، ويضع موريتانيا أمام واقع جديد لم تعهده منذ أكثر من عقد.
وفي خضم هذه الفوضى، يبرز ضعف الدولة المالية كعامل حاسم في تفاقم الأزمة. فالجيش المالي، رغم محاولاته استعادة السيطرة، لا يزال يعاني من محدودية الانتشار وخسائر ميدانية متكررة، ما يجعله عاجزًا عن تأمين حدوده أو منع تسلل الجماعات المسلحة. وقد زاد دخول فاعلين خارجيين، مثل مجموعة فاغنر، من تعقيد المشهد، إذ أضفى طابعًا دوليًا على الصراع، ورفع من مستوى التوتر مع دول الجوار، بما في ذلك موريتانيا.
في هذا السياق، لم تعد التهديدات التي تواجه موريتانيا ذات بعد واحد، بل أصبحت متعددة المستويات. فمن جهة، هناك تهديد مباشر يتمثل في احتمال تسلل الجماعات المسلحة وتنفيذ عمليات داخل الأراضي الموريتانية، كما حدث في سنوات 2008 و2010. ومن جهة أخرى، هناك تهديد غير مباشر مرتبط بانتشار الفوضى والسلاح، وتنامي شبكات التهريب التي تستغل هشاشة الحدود. أما الأخطر، فهو التهديد السياسي–العسكري الناتج عن سلوكيات بعض وحدات الجيش المالي، بما في ذلك التوغلات داخل الأراضي الموريتانية، أو الحوادث التي طالت مدنيين موريتانيين في الشريط الحدودي، فضلًا عن التوترات المرتبطة بوجود قوات أجنبية.
أمام هذه المعادلة المعقدة، تبنّت موريتانيا استراتيجية تقوم على مزيج من الحزم والواقعية. فقد عملت داخليًا على تعزيز انتشارها العسكري وبسط سيطرتها على كامل ترابها، خاصة في المناطق التي ظلت لعقود خارج الرقابة الفعلية. وفي الوقت ذاته، انتهجت خارجيًا سياسة تقوم على الاستباق، ونقل المعركة إلى خارج الحدود عند الضرورة، مع الحفاظ على قنوات التواصل مع باماكو، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
غير أن هذه الاستراتيجية، رغم نجاحها النسبي حتى الآن، تواجه تحديات متزايدة في ظل التحولات الإقليمية. فالساحل يشهد اليوم إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى، مع تراجع النفوذ الغربي وصعود أدوار جديدة، وازدياد قدرة الجماعات المسلحة على التكيف والتوسع. وهو ما يجعل الحدود الموريتانية–المالية مرشحة لأن تكون إحدى أبرز نقاط التوتر في السنوات القادمة.
وفي هذا الإطار، يمكن تصور عدة سيناريوهات محتملة. أولها، وهو الأفضل، يتمثل في نجاح موريتانيا في الاستمرار بسياسة الاحتواء، عبر ضبط الحدود والحفاظ على تعاون محدود مع مالي، بما يضمن استقرارًا نسبيًا. أما السيناريو الأرجح، فيتمثل في تصاعد الضغط، نتيجة توسع الجماعات المسلحة نحو الغرب، واستمرار ضعف الدولة المالية، ما قد يؤدي إلى احتكاكات متكررة وتسللات محدودة. في حين يبقى السيناريو الأخطر هو تحول الحدود إلى جبهة مفتوحة، في حال تصاعد التوتر مع مالي أو حدوث توغلات عسكرية متبادلة. وهناك أيضًا احتمال بعيد لكنه وارد، يتمثل في إعادة تشكيل المشهد الإقليمي، عبر تحالفات جديدة تعيد رسم خرائط النفوذ في الساحل.
في المحصلة، لم تعد هذه الحدود مجرد ملف أمني عابر، بل تحولت إلى عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها رهانات محلية وإقليمية ودولية. وموريتانيا اليوم تجد نفسها أمام معادلة دقيقة: كيف تحمي سيادتها وتؤمّن حدودها، دون أن تنجر إلى صراع مفتوح مع جار يعيش واحدة من أعقد أزماته؟
الإجابة، كما يبدو، تكمن في مواصلة ما يمكن تسميته بـ”الردع الهادئ”: أي الجمع بين الجاهزية العسكرية، والاستباق الاستخباراتي، والدبلوماسية الحذرة. فالأمن الموريتاني لم يعد شأنًا داخليًا صرفًا، بل أصبح امتدادًا مباشرًا لاستقرار الساحل بأكمله، وأي اختلال في الشمال المالي، لن يتوقف أثره عند حدوده، بل سيرتد حتمًا على كامل المجال الموريتاني.




