sliderالمبتدأ

حين تُختزل الأزمة في الباكالوريا: قراءة في جذور الاختلال وإمكانات الإصلاح

حمادي سيدي محمد آباتي

في السياسة الدولية، لا تُقاس المواقف بما يُقال في العلن، بل بما يُكسر في الخفاء.
وحين يُشاع أن أوروبا قالت “لا” لواشنطن، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل قالتها؟
بل: ماذا تعني إن كانت قد قالتها فعلًا؟

لأن “لا” الأوروبية — إن وُجدت — ليست إعلان استقلال، بل تعبير قلق.

لم تعد القارة العجوز تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مسرحًا بعيدًا يمكن إشعال حرائقه دون أن يصل الدخان إلى عواصمها. التجارب علّمتها: كل حرب هناك، تتحول هنا إلى موجات لجوء، وارتباك أمني، واختناق اقتصادي.
لهذا، حين يُطرح سيناريو التصعيد، لا تتحرك أوروبا بدافع العدالة، بل بدافع الخوف.

الخوف لا يصنع مواقف مبدئية… بل يصنع تحفظات مؤقتة.

ومن هنا، فإن الحديث عن “رفض أوروبي” موحد هو تبسيط مخلّ. أوروبا ليست كيانًا سياسيًا صلبًا، بل فضاء متشقق تتنازعه حسابات متباينة:
من دول ترى في التهدئة ضرورة وجودية، إلى أخرى لا تزال تعتبر الاصطفاف خلف واشنطن ضمانة استراتيجية لا يمكن التفريط فيها.

لذلك، ما يبدو كتمرّد، ليس في حقيقته سوى اختلاف في سرعة الاندفاع، لا في الاتجاه.

لكن، ورغم ذلك، لا ينبغي الاستهانة بهذا التصدّع النسبي.
ففي السياسة، الشقوق الصغيرة هي التي تتسلل منها التحولات الكبرى.

أوروبا اليوم تعيش لحظة توتر داخلي بين صورتين:
صورة القوة التي تدافع عن القيم، وصورة التابع الذي يعجز عن الخروج من العباءة الأطلسية.
وفي هذا التوتر، تتشكل مساحة يمكن — نظريًا — استثمارها.

غير أن السؤال المؤلم يظل قائمًا:
هل يملك العرب أصلاً مشروعًا قادرًا على استثمار هذه المساحة؟

المشكلة ليست في أوروبا فقط، بل في الفراغ المقابل.
فالقارة التي تتهم بازدواجية المعايير، تجد دائمًا في الواقع العربي ما يبرر لها الاستمرار في هذه الازدواجية.

غياب خطاب موحد، ضعف أدوات الضغط، وانعدام الرؤية الاستراتيجية… كلها تجعل أي تعاطف أوروبي — رسمي أو شعبي — يتحول إلى مجرد ضجيج أخلاقي بلا أثر سياسي.

بمعنى أكثر قسوة:
أوروبا لا تغيّر مواقفها لأن العرب لا يملكون ما يفرض هذا التغيير.

أما الحديث عن المسؤولية التاريخية، فهو صحيح… لكنه غير كافٍ.
نعم، أوروبا كانت شريكًا أساسيًا في صناعة المأساة، لكن التاريخ لا يُدار بالذنب، بل بالمصالح.
والمصالح اليوم أعادت ترتيب الأولويات: لم تعد أوروبا اللاعب الحاسم، بل شريكًا يتأرجح بين القناعة والضغط.

وهنا تحديدًا تتجلى المفارقة:
الجميع يعترف بجذور المشكلة، لكن لا أحد يتحرك وفق هذا الاعتراف.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز إيران كلاعب يرفع راية فلسطين… لكن ضمن معادلة أعقد بكثير مما يُعلن.

فالقضية الفلسطينية، بالنسبة لها، ليست مجرد التزام أخلاقي، بل ورقة ضمن صراع أوسع:
صراع نفوذ، صراع بقاء، وصراع إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

وهذا لا ينفي الدعم، لكنه يعيد تعريفه:
هو دعم مشروط بسياق، ومقيّد بأولويات، ومحكوم بحسابات لا تضع فلسطين دائمًا في المركز.

إذن، نحن أمام ثلاث حقائق متوازية:

أوروبا قلقة… لكنها ليست متمردة.
إيران داعمة… لكنها ليست متفرغة.
والعرب أصحاب قضية… لكنهم بلا مشروع.

وفي هذا التداخل، تضيع الحقيقة الكبرى:
أن القضية العادلة، حين تفقد حاملها السياسي القادر، تتحول إلى مادة تُستثمر من الآخرين، لا إلى مشروع يُفرض عليهم.

لذلك، فإن السؤال ليس:
هل يمكن الوثوق بأوروبا؟
ولا: هل ستنصف إيران فلسطين؟

بل السؤال الأعمق هو:
متى يتحول العرب من موضوع في صراعات الآخرين… إلى فاعل يفرض قواعد لعبته؟

حينها فقط، لن تكون “لا” الأوروبية خبرًا مثيرًا…
بل نتيجة طبيعية لاختلال ميزان القوى لصالح من يملك القرار.

وحتى ذلك الحين، ستبقى كل “لا” مجرد فاصلة في جملة…
يكتبها الآخرون، وتُقرأ علينا.

حمادي سيدي محمد آباتي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى