ليست أخطر الأزمات تلك التي تنتهي بانتهاء أحداثها، وإنما تلك التي تبقى حاضرة في الذاكرة، تتحول مع الزمن إلى روايات متنافسة، يبحث كل طرف فيها عن موقع الضحية أو موقع المبرئ. وعندما تصبح الذاكرة الجماعية أسيرة الانتقاء، فإنها تفقد قدرتها على بناء المصالحة، وتتحول من جسر للمستقبل إلى جدار بين أبناء الوطن الواحد.
إن النقاش المتعلق بما أصبح يعرف في الخطاب السياسي الموريتاني بـ”الإرث الإنساني” يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام قضية حقوقية وطنية تبحث عن إنصاف جميع الضحايا، أم أمام مسار قد يُستعمل أحيانًا لإعادة إنتاج الانقسام على أساس الهويات؟
لقد كانت أحداث 1990/1991 جرحًا عميقًا في تاريخ موريتانيا الحديث، ولا يمكن لأي مقاربة مسؤولة أن تنكر ما تعرض له أفراد من المكونة الزنجية من مظالم وانتهاكات، ولا أن تقلل من حجم الألم الذي خلفته تلك المرحلة. فالكرامة الإنسانية لا تتجزأ، وحق الضحية في الاعتراف والإنصاف لا يرتبط بلون أو عرق أو انتماء.
لكن المعضلة تبدأ عندما يتم نقل مسؤولية أفعال نظام سياسي أو أمني إلى مكونة اجتماعية بأكملها. فالدولة عندما تخطئ لا تكون أخطاؤها ملكًا لقبيلة أو عرق أو مجتمع، وإنما تكون مسؤولية مؤسسات وأشخاص وقرارات سياسية في ظرف تاريخي محدد.
ومن هنا وجدت شريحة واسعة من المجتمع، وخاصة من شريحة البظان التي ينتمي إليها رئيس الدولة آنذاك، نفسها في موقع معقد؛ فهي من جهة تواجه خطابًا يحملها مسؤولية ما وقع خلال تلك الأحداث، ومن جهة أخرى كانت هناك ممارسات استهدفت أفرادًا منها في فترات مختلفة، سواء داخل المؤسسة العسكرية أو خارجها.
ففي سياق تلك المرحلة، اتخذ النظام إجراءات بحق عسكريين ينتمون إلى تيارات قومية وسياسية مختلفة، تحت عنوان مواجهة الأيديولوجيا أو حماية الدولة. وكان من بين نتائج ذلك تسريح عدد من الضباط والجنود، بعضهم دون أن تثبت عليه مسؤولية مباشرة عن أفعال محددة. وقد أدى ذلك إلى شعور بالظلم لدى عائلات وأفراد رأوا أنفسهم ضحايا لسياسة جماعية لا تميز بين المسؤول والفرد.
وفي المقابل، فإن جزءًا من الخلفية التي سبقت تلك الأحداث ارتبط بصراع سياسي وأمني حاد، بلغ حد محاولة انقلابية اعترف أصحابها لاحقًا بأنهم كانوا يحملون مشروعًا يهدد وجود مكون أساسي من مكونات المجتمع. وهنا تظهر الحاجة إلى قراءة هادئة لا تبرئ طرفًا ولا تدين مجتمعًا كاملًا، بل تضع المسؤولية في إطارها الصحيح: مسؤولية أفعال وقرارات وأشخاص.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول كل استجابة سياسية إلى تنازل تحت ضغط الخوف من الاتهام، لأن ذلك يخلق منطقًا خطيرًا: كلما تم التركيز على مظلمة طرف، استُحضرت مظالم طرف آخر لا للمطالبة بالعدالة، وإنما للدخول في معركة موازنة الألم.
وهكذا يصبح الوطن وكأنه أمام سوق للذاكرة؛ كل جماعة تقدم جراحها لإثبات أنها الأكثر تضررًا، بدل أن تتفق على أن الجرح الوطني لا يلتئم إلا بالاعتراف الكامل.
لقد عرفت موريتانيا، قبل وبعد تلك المرحلة، انتهاكات مختلفة طالت مواطنين من أعراق وانتماءات متعددة: حالات وفاة تحت التعذيب، إصابات جسدية ونفسية، فصل من الوظائف، وحرمان من الحقوق. وبعض الذين تعرضوا لذلك ثبت لاحقًا عدم مسؤوليتهم عن التهم التي نسبت إليهم.
فهل تكون قيمة الألم مرتبطة بهوية صاحبه؟ وهل يصبح الظلم أكثر قابلية للإنصاف إذا كان الضحية من جهة، وأقل أهمية إذا كان من جهة أخرى؟
إن العدالة الحقيقية لا تعرف إلا الإنسان.
المطلوب اليوم ليس إلغاء ذاكرة طرف لصالح طرف، ولا تحويل الماضي إلى محكمة للهويات، وإنما بناء مقاربة وطنية تعترف بكل الجراح. فليس من العدل أن يحتكر أحد صفة الضحية، كما أنه ليس من الحكمة أن ينكر أحد معاناة غيره.
إن المصالحة لا تقوم على نسيان الماضي، بل على مواجهته بشجاعة: حقيقة كاملة، واعتراف متبادل، وإنصاف قانوني، ومسؤولية فردية لا جماعية.
موريتانيا تحتاج إلى أن تنتقل من سؤال: “من هو المذنب؟” بصيغته الجماعية، إلى سؤال أكثر نضجًا: “كيف نضمن ألا تتكرر المأساة؟”
فالأوطان لا تبنى بتقسيم أبنائها إلى ضحايا وأبناء ضحايا، ولا بتوريث الأحقاد، وإنما بإقامة ميزان واحد للعدل، يرى الإنسان قبل الانتماء، ويضع الحقيقة فوق الحسابات السياسية.
حمادي سيدي محمد آباتي






