sliderالمبتدأ

حين تنتهي مهمة الإنقاذ وتبدأ مسؤولية الدولة

كتب: أحمد ولد أمبارك

أيها الدبلوماسيون الموريتانيون، يا أصحاب القرار والمسؤولين عن رعاية مواطنيكم، المشكلة ليست فقط في أن مواطنين موريتانيين اختطفوا واحتجزوا، ثم أفرج عن بعضهم وعادوا إلى وطنهم (فيما لا يزال مصير آخرين مجهولا، وسقط آخرون قتلى في مالي).

المشكلة الحقيقية تبدأ من السؤال: ماذا فعلتم بعد أن عادوا؟

خلال مقابلات عديدة مع موريتانيين أفرج عنهم بعد احتجازهم من طرف الجيش المالي، تكررت شهادات عن التعذيب وسوء المعاملة، وعن إصابات وأضرار جسدية لحقت بعدد منهم. تحدث بعض الضحايا عن إصابات في الأيدي والساعدين والمرافق، فيما تحدث آخرون عن جروح وإصابات أخرى.

فهذه الشهادات يجب ألا تنتهي عند حدود المقابلات، بل ينبغي أن تتحول إلى ملف قانوني موثق.

تبدأ المهمة بالفحص الطبي المستقل، مدعوما بالتقارير الطبية الشرعية والصور وشهادات الضحايا وتحديد زمان ومكان الوقائع. ويتيح ذلك الانتقال من توثيق آثار الجريمة إلى تحديد المسؤوليات والأشخاص وسلسلة القيادة.

فهنا تبدأ مسؤولية الدولة.

نعم إعادة هذه الدفعة من المواطنين إلى وطنهم واجب، لكنها ليست نهاية المهمة. فالمسؤولية الحقيقية تبدأ عندما تحول الدولة ما تعرض له مواطنوها إلى ملف قانوني قابل للتحقيق والمساءلة….
فينبغي للسفارة الموريتانية في باماكو دعم ذوي الضحايا، كما ينبغي للدولة الموريتانية توفير محام دولي متخصص في القانون الجنائي الدولي، يتولى بناء الملفات ومتابعتها أمام القضاء المالي والجهات الحقوقية المختصة، بما فيها اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في مالي، والآليات الإفريقية والأممية ذات الصلة….
وتحتاج القضية إلى تحصين الأدلة نفسها، من خلال إحالة الضحايا بصورة عاجلة إلى مكتب مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في موريتانيا، وطلب الاستعانة بخبراء طبيين وشرعيين مستقلين، أو إحالتهم إلى خبراء مؤهلين، لفحصهم وتوثيق إصاباتهم وفقا للمعايير الدولية وبروتوكول إسطنبول (2004، والنسخة المنقحة 2022… وهو دليل الأمم المتحدة للتحقيق والتوثيق الفعال للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة)…..
فقيمة هذه الخطوة لا تكمن في إثبات الإصابة وحدها، بل في حماية الدليل من أي تشكيك لاحق.
فالفحص المستقل والتوثيق الطبي المهني والصور إضافة إلى الشهادات المسجلة وفق منهج معتمد، تجعل الملف قائما على أدلة يمكن فحصها ومناقشتها أمام الجهات القضائية والحقوقية…..
وعندها لا تبقى القضية مجرد رواية موريتانية في مواجهة رواية مالية، بل تصبح أمام الجهات المختصة شهادات وآثار جسدية موثقة وتقارير طبية مستقلة وأدلة قابلة للتحقيق….
فهنا ينتقل الملف من السياسة إلى القانون.
ولا ينبغي لموريتانيا أن تضع كل أوراقها في مسار واحد…..فإلى جانب القضاء المالي والآليات الإفريقية والأممية، يوجد مسار المحكمة الجنائية الدولية.
فالمادة 15 من نظام روما تتيح تقديم المعلومات إلى مكتب المدعي العام بشأن الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة. ويفحص المدعي العام هذه المعلومات بصورة مستقلة لتحديد ما إذا كانت تستدعي اتخاذ إجراءات وفقا للنظام…
لذلك، ينبغي ألا يكون المطلوب مجرد شكوى عامة، بل ملفا متكاملا يضم شهادات الضحايا، والتقارير الطبية، والصور، وتواريخ ومواقع الوقائع، وأسماء الضحايا، وأسماء المسؤولين المحتملين، وكل ما يمكن أن يساعد على تحديد المسؤولية الفردية وسلسلة القيادة.
ومالي ليست خارج هذا المسار. فقد أحالت حكومتها الوضع في أراضيها إلى المحكمة الجنائية الدولية في يوليو 2012، وفتح المدعي العام التحقيق في يناير 2013، ويشمل اختصاص المحكمة الجرائم المرتكبة في مالي منذ يناير 2012.
وتظهر هنا أهمية المادة 17 من نظام روما، التي تقوم على مبدأ التكاملية. فالأصل أن تتولى الدول التحقيق والمحاكمة، بينما تتدخل المحكمة عندما تتوافر شروط اختصاصها ومقبولية القضية، بما في ذلك الحالات التي تكون فيها الدولة غير راغبة أو غير قادرة بصورة حقيقية على إجراء التحقيق أو المحاكمة وفقا للنظام.
وتأتي المادة 58 في مرحلة لاحقة. فإذا توصل المدعي العام، بعد التحقيق، إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن شخصا ارتكب جريمة تدخل في اختصاص المحكمة، وتوافرت الشروط القانونية، جاز له أن يطلب من الدائرة التمهيدية إصدار مذكرة توقيف.

والدقة في هذا المساطر ضرورية فالمدعي العام يطلب، والدائرة التمهيدية هي التي تصدر مذكرة التوقيف.

أيها الأسقاء في مالي هذه ليست دعوة إلى الانتقام.
فنحن نرفض الانتقام تماما. «ولا تزر وازرة وزر أخرى».
المطلوب هو العدالة، ومحاسبة المسؤول عن فعله وإنصاف الضحايا وضمان حقوقهم في التعويض ومنع الإفلات من العقاب.
أوجه خطابي هنا لأعلى سلطة في البد …..كم مرة، طوال أزماتنا، اكتفينا بإدارة النتائج بعد وقوعها، بدلا من إدارة الأحداث قبل وقوعها؟
لماذا نكتفي بردة الفعل الناقصة بدل أن نقوم بالفعل ومواكبته؟؟
فالدولة التي لا تتحرك إلا بعد وقوع الأزمة لا تدير الأحداث، بل تدير نتائجها. أما الدولة التي تستبق الخطر، فتجمع المعلومات، وتوثق الوقائع، وتبني الملفات، وتستخدم القانون، وتصنع الردع قبل أن تتكرر الجريمة…..
لذلك، دعونا من المهرجانات ومن صور الضحايا وهم ينزلون من الطائرة، وكأن إعادتهم إلى أرض الوطن هي نهاية القصة.
نعم أعادتهم واجب.
لكن الإنجاز الحقيقي فيبدأ بعد ذلك من خلال توثيق ما حدث، حماية الضحايا، فحصهم من جهات مستقلة، تحديد المسؤوليات، بناء الملف، وضعه أمام القضاء المالي والآليات الإفريقية والأممية ثمالاستفادة من المسار الدولي متى توافرت شروطه القانونية.
فالطائرة تستطيع أن تعيد الضحية إلى الوطن في ساعات.
أما الدولة الجادة، فتجعل ملف الضحية يذهب أبعد من ذلك، إلى الطبيب المستقل وإلى الوثيقة وإلى القانون ثم القضاء، ليتحقف الردع.

حين تنتهي مهمة الإنقاذ، تبدأ مسؤولية الدولة.

أحمد ولد أمبارك

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى