الجنسية الإسبانية للصحراويين.. معركة قانونية تعيد إرث نصف قرن إلى البرلمان

العيون – (الحرية نت): بعد نحو نصف قرن على انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية، يعود أحد أكثر الملفات القانونية المرتبطة بتلك المرحلة حساسية إلى واجهة المشهد السياسي الإسباني: هل يمكن أن تفتح مدريد باب الحصول على الجنسية أمام آلاف الصحراويين الذين وُلدوا خلال فترة الإدارة الإسبانية للإقليم؟
لم يعد السؤال مطروحًا في إطار نقاش تاريخي فحسب، بل أصبح مرتبطًا بمشروع قانون يخوض حاليًا مرحلة حاسمة داخل البرلمان الإسباني، في انتظار ما ستسفر عنه المناقشات والتصويت، قبل أن يستكمل النص بقية مراحله التشريعية.
ويتعامل أنصار المبادرة معها باعتبارها محاولة لـ«تصحيح وضع تاريخي»، بينما تظل النتيجة النهائية رهينة المسار التشريعي في إسبانيا، إذ إن التصويت في مجلس النواب، بحد ذاته، لا يعني دخول القانون حيز التنفيذ.
ليس قانونًا نافذًا بعد
رغم الاهتمام المتزايد بالمشروع، فإن الحديث عن بدء تقديم طلبات الحصول على الجنسية في الوقت الحالي لا يزال سابقًا لأوانه.
ففي حال المصادقة النهائية عليه، يتعين نشر النص في الجريدة الرسمية الإسبانية، على أن يبدأ سريانه، وفق الصيغة الحالية، بعد أربعة أشهر من تاريخ النشر.
وبالتالي، لا توجد حتى الآن منصة رسمية مفتوحة لاستقبال الطلبات.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظل تداول معلومات على نطاق واسع بشأن قرب بدء عملية التسجيل، في حين أن المشروع لا يزال في طور التشريع.
من يشملهم المشروع؟
تستهدف الصيغة الحالية الأشخاص الذين وُلدوا في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر 1977، حتى في حال عدم توفرهم على إقامة قانونية في إسبانيا.
لكن الاستفادة ليست جماعية ولا تلقائية.
فكل شخص يرغب في الاستفادة سيكون مطالبًا بتقديم ملف مستقل وإثبات استيفائه الشروط المطلوبة، ضمن مسطرة قانونية تُعرف في النظام الإسباني باسم «carta de naturaleza».
وهي آلية استثنائية لمنح الجنسية بناءً على ظروف خاصة، وليست قرارًا شاملًا يمنح الجنسية لجميع الصحراويين.
وثائق قد تعيد فتح ملفات الماضي
ومن أكثر جوانب المشروع إثارة للاهتمام طبيعة الوثائق التي يمكن استخدامها لإثبات العلاقة القانونية والتاريخية مع الإدارة الإسبانية.
فالنص يتيح، وفق صيغته الحالية، الاستناد إلى بطاقات الهوية الإسبانية القديمة، ووثائق الإحصاء المرتبطة ببعثة الأمم المتحدة، وشهادات الميلاد، والدفاتر العائلية، ووثائق العمل في الإدارة الإسبانية.
كما يمكن الاستناد إلى وثائق أخرى، منفردة أو مجتمعة، مثل الشهادات الدراسية، ووثائق التقاعد، ورخص السياقة الإسبانية، والوثائق الطبية أو الإدارية التي يمكن أن تثبت الميلاد في الإقليم خلال الفترة المحددة.
وهذا يعني عمليًا أن عددًا من الوثائق القديمة، التي ظلت محفوظة لدى عائلات صحراوية لعقود، قد تتحول، في حال اعتماد القانون، إلى عناصر إثبات ذات قيمة قانونية.
ثلاث سنوات أمام طالبي الجنسية
في حال دخول القانون حيز التنفيذ، سيحصل الأشخاص المعنيون على مهلة ثلاث سنوات لتقديم طلباتهم، مع إمكانية تمديدها سنة إضافية.
أما الأبناء، فلن يحصلوا على الجنسية بصورة تلقائية بمجرد إثبات استفادة أحد الوالدين من القانون.
إذ يشترط النص أولًا تسجيل حصول الأب أو الأم على الجنسية الإسبانية، وبعد ذلك تُفتح أمام الابن أو الابنة مهلة خمس سنوات لممارسة حق الاختيار، وفق الشروط المحددة.
وتبقى عملية اكتساب الجنسية مرتبطة باستكمال الإجراءات القانونية، بما فيها التسجيل في السجل المدني وأداء قسم أو وعد باحترام الدستور والقوانين الإسبانية والولاء للملك.
باب آخر للمقيمين في إسبانيا
لا يتوقف المشروع عند معالجة وضع المولودين في الصحراء الغربية قبل 29 سبتمبر 1977، بل يقترح كذلك خفض مدة الإقامة المطلوبة للحصول على الجنسية بالنسبة للصحراويين إلى سنتين، بدلًا من القاعدة العامة التي تفرض عشر سنوات.
غير أن هذا المسار يختلف عن التجنيس الاستثنائي، إذ يتطلب إقامة قانونية وفعلية ومتواصلة في إسبانيا.
قضية قانونية بامتدادات سياسية
تتجاوز أهمية المشروع مسألة الحصول على جواز سفر أو وثيقة تثبت الجنسية.
فالقضية تعيد إلى البرلمان الإسباني إرثًا قانونيًا وسياسيًا يعود إلى نهاية الإدارة الإسبانية للصحراء الغربية، وتضع أمام المشرعين سؤالًا ظل حاضرًا لعقود: ما مصير الأشخاص الذين كانت تربطهم صلات قانونية وإدارية بإسبانيا عندما أنهت مدريد وجودها في الإقليم؟
وتقدر جهات داعمة للمبادرة عدد المستفيدين المحتملين بما بين 100 ألف و200 ألف شخص، غير أن هذه الأرقام تظل تقديرية، ولا تمثل حصيلة رسمية لعدد الأشخاص الذين سيستوفون شروط الاستفادة فعليًا.
وفي خضم هذا النقاش، يترقب صحراويون في الصحراء الغربية ومخيمات اللاجئين وأوروبا مآل المبادرة، التي تحولت من مطلب مطروح منذ سنوات إلى مشروع يخضع الآن للاختبار البرلماني.
لكن الطريق لا يزال مفتوحًا على أكثر من احتمال.
فالمعيار الحاسم لن يكون نتيجة التصويت الحالي فحسب، وإنما قدرة المشروع على عبور مجمل المسار التشريعي الإسباني والوصول إلى مرحلة النشر الرسمي ودخول القانون حيز التنفيذ.
وبين ذاكرة الإدارة الإسبانية القديمة وحسابات السياسة والقانون في مدريد اليوم، تبدو قضية الجنسية وكأنها تعيد فتح صفحة لم تُغلق بالكامل منذ نحو خمسين عامًا.
محمد الحبيب هويدي – مراسل الحرية نت في المملكة المغربية







