ليس مقال الدكتور إزيد بيه ولد محمد محمود، بمناسبة انتخاب أخيه وصديقه إسماعيل ولد الشيخ أحمد أمينًا عامًا لمنظمة التعاون الإسلامي، مجرد تهنئة عابرة بمناسبة وطنية مفرحة، بل هو مقال جدير بالقراءة المتأنية؛ لما يجمعه من اعتزاز بالكفاءة الوطنية، ووعي بمكانة موريتانيا، وإشادة بالدبلوماسية، ووفاء للصداقة، واحتفاء بالنجاح حين يتحول من إنجاز شخصي إلى مكسب وطني.
وقد جاء المقال في توقيت بالغ الدلالة؛ إذ انتُخب إسماعيل ولد الشيخ أحمد بالإجماع أمينًا عامًا لمنظمة التعاون الإسلامي، التي تضم 57 دولة، وذلك خلال اجتماع استثنائي لمجلس وزراء خارجية المنظمة في جدة.
من «جذوة الغيرة» إلى «إطفاء الغيرة»
لعل أبرز ما يميز المقال، في تقديري، أن عنوانه ليس عبارة أدبية منفصلة عن مضمونه، بل يمثل الخيط الناظم لفكرته الأساسية.
يستهل الكاتب مقاله باستحضار شعور قديم لازمه حين كان يلتقي، خلال المؤتمرات العلمية، خبراء من دول محدودة، في وقت كان فيه الحضور العربي ضعيفًا، فيقول:
«عندها تتلظّى بين جوانحي نار الغيرة».
إنها غيرة وطنية، لا شخصية؛ غيرة على بلد يمتلك كفاءات علمية وفكرية كبيرة، لكنه لا يرى أبناءه دائمًا في مواقع التأثير التي يستحقونها.
ومن هنا تتضح قيمة الخاتمة، حين يقول عن انتخاب إسماعيل ولد الشيخ أحمد: «الذي أطفأ في نفسي انتخابه جذوة الغيرة».
وبين العبارتين مسافة فكرية واسعة: من الإحساس بغياب الكفاءة الوطنية عن مواقع القرار، إلى الشعور بالفخر حين يرى الكاتب موريتانيًا يتولى أحد أهم المواقع في الفضاء الإسلامي الدولي.
الكفاءة الوطنية هي المحور الأساسي للمقال
لا يكتفي الدكتور إزيد بيه بالاحتفاء بالشخص المنتخب، بل يجعل من المناسبة فرصة لإعادة الاعتبار إلى الكفاءات الموريتانية.
ويقول:
«هذا النجاح يؤكد أن الكفاءات الموريتانية قادرة على المضي إلى الشأو».
وهذه الجملة، في رأيي، تمثل جوهر المقال.
فالكاتب لا يقدم نجاح إسماعيل ولد الشيخ أحمد بوصفه حالة استثنائية، بل يراه دليلًا على وجود رصيد بشري موريتاني قادر على المنافسة في أعلى المستويات.
ولذلك سبق أن تحدث عن «خيرة الأطر في بلدي، وفي مختلف فروع المعرفة»، ولا سيما العلوم الاجتماعية، مؤكدًا أن امتلاك الكفاءات يمثل أحد شروط امتلاك القدرة على صناعة القرار.
وهنا يطرح المقال قضية تتجاوز المناسبة ذاتها: فموريتانيا لا تحتاج فقط إلى إعداد الكفاءات، بل تحتاج كذلك إلى حسن اكتشافها، وتأهيلها، والتعريف بها، وإيصالها إلى مواقع التأثير الدولي. «لا يثنيها عنه إلا غياب من يسوّق سلعتها»
ومن أكثر عبارات المقال إثارة للتأمل قوله:
«لا يثنيها عنه إلا غياب من يسوّق سلعتها النافقة».
وبصرف النظر عن الصياغة المجازية، فإن المعنى الذي يقصده الكاتب واضح: فالكفاءة وحدها لا تكفي في عالم العلاقات الدولية.
فالخبرة والشهادة والمسار المهني عناصر أساسية، لكنها تحتاج إلى بيئة دبلوماسية وسياسية قادرة على التعريف بأصحابها، ودعم حضورهم، وفتح المجال أمامهم لتولي الأدوار التي يستحقونها.
بين نجاح الفرد ونجاح الدولة
ومن الجوانب الجديرة بالتقدير في المقال أنه لا ينظر إلى انتخاب إسماعيل ولد الشيخ أحمد بوصفه نجاحًا شخصيًا منفصلًا عن موريتانيا.
بل يقول:
«فهذه القدرة والعلاقات أثمرت انتخاب عديد الأطر من خيرة أبناء هذا الوطن على رأس مؤسسات دولية محترمة، عتيدة».
وهذه رؤية وطنية مهمة؛ لأن نجاح الموريتاني في الخارج لا ينبغي أن يُختزل في شخصه، بل يمكن أن يمثل رصيدًا للدولة، وأن يعكس صورة إيجابية عن قدراتها البشرية والدبلوماسية.
كما أن الانتخاب الأخير يؤكد أن الأمر يتعلق بحضور موريتاني لافت على المستوى الدولي؛ فقد اختير ولد الشيخ أحمد خلفًا للأمين العام التشادي حسين إبراهيم طه لمدة خمس سنوات.
إشادة بإسماعيل تستند إلى المسار لا إلى المجاملة
ومن الإنصاف للدكتور إزيد بيه أنه لم يقدم صديقه إسماعيل ولد الشيخ أحمد باعتباره محظوظًا أو مستفيدًا من ظرف عابر، بل استند إلى عناصر موضوعية من تجربته، فوصفه بأنه:
«ذي القدم الراسخ، والخبرة الغنية، والمراس، والتدرج في العمل بالمنظمات الدولية».
وتلخص هذه الكلمات مسارًا مهنيًا طويلًا؛ إذ أشارت المصادر التي تناولت انتخابه كذلك إلى خبرته الممتدة في العمل الدبلوماسي والأممي، وتوليه مناصب دولية، ووزارة الخارجية الموريتانية، ثم إدارة ديوان الرئيس.
ومن ثم، فإن التهنئة الواردة في المقال ليست مجرد مجاملة لصديق، بل هي احتفاء بمسار مهني طويل أفضى إلى تولي موقع دولي رفيع.
اللغة الأدبية ليست عنصرًا تزيينيًا في المقال
ومن الخصائص اللافتة في المقال أن الدكتور إزيد بيه يوظف ثقافته الأدبية والتراثية في بناء فكرته وتعزيزها.
فهو يستحضر المتنبي:
«عيدٌ بأية حالٍ عُدتَ يا عيدُ…»
ثم يستدعي أبياتًا وأمثالًا وعبارات من التراث العربي، وصولًا إلى البيت:
«يا باريَ القوسِ بَرْيًا ليس يحسنه
لا تظلمِ القوسَ أعطِ القوسَ باريها»
وهنا يصبح الاستشهاد بالشعر جزءًا من الحجة؛ فالكاتب يريد أن يقول إن المنظمة اختارت الرجل الذي تراه أهلًا لهذا الموقع، فجاء البيت الشعري ليمنح الفكرة قوة رمزية وجمالية.
وهذا من سمات المقالة التي تجمع بين السياسة والأدب والتجربة الشخصية؛ إذ لا تأتي اللغة منفصلة عن الفكرة، بل تخدمها وتمنحها عمقًا إضافيًا.
البعد الوطني يتقدم على البعد الشخصي
ولعل أهم ما يستحق الإشادة في المقال أن الكاتب، رغم صداقته لإسماعيل ولد الشيخ أحمد، لم يحصر فرحته في نجاح صديقه.
فهو يقول:
«وهنيئًا لبلادنا، كذلك، بإحراز هذا المنصب على رأس هذه المنظمة الإسلامية».
وهنا ينتقل الخطاب من «هنيئًا لإسماعيل» إلى «هنيئًا لموريتانيا».
وهذه النقلة بالغة الأهمية؛ لأنها تجعل الشخصية وسيلة للتعبير عن الاعتزاز بالوطن، وتجعل المنصب الدولي مكسبًا للبلد بأسره.
وأخيرًا: لماذا يستحق المقال التقدير؟
لأن الدكتور إزيد بيه استطاع أن يجعل من مناسبة واحدة أربع رسائل متكاملة:
أولًا: الاعتراف بقيمة الكفاءة الموريتانية.
ثانيًا: الدعوة الضمنية إلى اكتشاف الكفاءات الوطنية وإسناد الأدوار المناسبة إليها.
ثالثًا: إبراز أهمية الدبلوماسية والعلاقات الدولية في خدمة المصالح الوطنية.
رابعًا: الاحتفاء بنجاح موريتاني في مؤسسة إسلامية كبرى، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة.
ولعل أجمل ما في المقال أن صاحبه لم يُخفِ شعوره الإنساني الأول: الغيرة؛ لكنه لم يحولها إلى شكوى أو إحباط، بل جعل منها مقدمة للاعتزاز حين تحقق ما كان يتمنى رؤيته.
وهنا تكمن القيمة الرمزية للعنوان:
«خبت في نفسي جذوة الغيرة».
فالجذوة التي كانت تشتعل بسبب غياب الكفاءات الوطنية عن مواقع التأثير انطفأت عندما رأى الكاتب موريتانيًا يقف على منصة منظمة دولية كبرى، بعد أن اختارته الدول الأعضاء لقيادتها.
إنه، في النهاية، مقال عن إسماعيل ولد الشيخ أحمد، لكنه أعمق من ذلك؛ فهو مقال عن موريتانيا حين تنتصر كفاءاتها، وعن الغيرة حين تتحول إلى فخر، وعن النجاح الفردي حين يصبح عنوانًا للنجاح الوطني.
ولهذا يستحق مقال الدكتور إزيد بيه ولد محمد محمود التوقف عنده، لا باعتباره مجرد تهنئة، بل بوصفه شهادة أدبية وفكرية على لحظة موريتانية جديرة بالاحتفاء، ورسالة إلى الكفاءات الوطنية مفادها أن مواقع التأثير ليست بعيدة عنها، متى اجتمعت الكفاءة والخبرة والإرادة وحسن توظيف العلاقات.
گروبتا: 14 ربيع النبوي 1448
الموافق: 2026/8/28







