sliderالمبتدأ

موريتانيا بين فشل النخب وارتباك الهوية: الحراطين نموذجًا

غالبًا ما تنتقل الشعوب من شرعية تقليدية إلى أخرى أكثر حداثة عبر مسارات نضالية تقودها نخبٌ وطنية واعية، قادرة على تعبئة الجماهير وصياغة الوعي الجمعي من خلال حملات توعوية رصينة. لكن في موريتانيا، لم تعرف البلاد هذا المسار التحولي الطبيعي.
لقد أُجهضت البدايات، وإن لم يتم ذلك في المهد، فقد حدث بعد الفطام مباشرة.

التبشير الزائف بـ”تعميم التعليم”

منذ عقود، رُوّج لتعميم التعليم باعتباره خطوة في طريق العدالة الاجتماعية، لكنه في الواقع تحوّل إلى أداة لتمييع المعرفة وإفساد المدرسة.
فقد فُتحت أبواب التدريس على مصراعيها أمام عناصر غير مؤهلة، وتم تجويع المعلمين، وتدنّت مكانة المدرسة، ليصبح التعليم أداة للوظيفة لا وسيلة للوعي.
وبات من حصل على دبلوم بشق الأنفس، يسابق الزمن بحثًا عن وظيفةٍ ينهب من خلالها ما استطاع إلى ذلك سبيلا، مستندًا إلى نفوذ قبلي أو نفاق إداري أو زبونية سياسية.

شرائحية الدولة وتقسيم الشعب

عبر عقود، مورست سياسة “فرّق تسد” ببرود مدهش. فتم تقطيع المجتمع إلى فئات وشرائح: بيضان، حراطين، زنوج، قبائل، عبيد سابقون…
ولم يكن الهدف اعترافًا بالتنوع، بل تحويله إلى وقود للاستغلال السياسي، وتكريس الهشاشة الاجتماعية التي تسهّل التحكم وتمنع نشوء مشروع وطني جامع.
لكن هذا النهج، وإن بدا فعالًا على المدى القصير، أفرز اليوم مهددات لبقاء الدولة نفسها، حيث تعالت أصوات المهمشين، وتفككت الثقة بين مكونات المجتمع.

لعبة الغرب: الهجرة والاختراق الناعم

الانخداع بالمشاريع الدولية لم يعد خفيًا. فالغرب، الذي يدّعي دعم الاستقرار والتنمية، يخطط منذ عقود لإبقاء الدول النامية رهينة لهشاشتها.
ويجري ذلك عبر أدوات ناعمة مثل:

تشجيع الهجرة المنظمة وغير المنظمة، ما يُفرغ البلاد من أدمغتها وشبابها.

دعم الطموحات الانفصالية والفئوية تحت عناوين براقة مثل “الهوية الثقافية” و”التمييز الإيجابي”.

وقد أدّى هذا إلى ارتفاع سقف مطالب بعض الانفصاليين الزنوج، ممن يسعون لإعادة تشكيل التركيبة السكانية، متناسين حقيقة التعايش والمصير المشترك.

الحراطين بين الاستغلال والتشويش

في خضم هذه الفوضى، أصبحت قضية الحراطين – وهي من أعدل القضايا – مادة للمتاجرة السياسية والتشويش الأيديولوجي.
فرغم أن الرق كممارسة مرفوضة، إلا أن الرق المعنوي والاجتماعي ما زال مستشريًا، بل إن ممارسات أكثر بشاعة تجري في بعض المكونات الزنجية نفسها، والذين ساهم بعض تجارهم تاريخيًا في تجارة العبيد.
وهكذا، تحوّلت قضية الحراطين من ملف وطني جامع إلى ورقة مساومة فئوية، تُستغل أحيانًا لإضعاف الوحدة الوطنية بدل تعزيزها.

النخب الصامتة والرهان على الوسائط

كل هذا يحدث وسط صمت نخبوي مطبق، أو نخب مُكمّمة الصوت أو مُحبطة من كثرة الفشل والتهميش. ومع ذلك، فإن الأمل لا يزال معقودًا على:

قوى جديدة تستثمر الوسائط الرقمية لبناء وعي جماعي.

حركات شبابية تتجاوز الاصطفافات القبلية والعرقية.

مشاريع وطنية تستند إلى العدالة لا المحاصصة، وإلى الهوية الجامعة لا الهويات المتنازعة.

خلاصة

موريتانيا اليوم بحاجة ماسة إلى:

تفكيك منظومة الفساد والشرائحية.

إصلاح تعليمي جذري يعيد الاعتبار للمدرسة والجامعة.

إعادة قراءة الهوية من منطلق الإنصاف لا التنازع.

احتضان الحراطين كركن أصيل من الهوية الوطنية، لا كحالة مؤقتة أو ملف يُدار حسب الطلب.

فإما أن نخوض معركة الوعي وبناء الدولة الحديثة… أو نواصل الانحدار حتى تتجاوزنا الأحداث وتعيد رسم الخريطة دوننا.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى